بنتي همستلي حكايات صافي هاني

“يا بابا، ينفع نتكلم في العربية؟”.. بنتي همستلي بالكلمة دي بعد ما خلصنا حفلة المدرسة. في جراج العربيات، رفعت بلوفرها ورتني علامات زرقا كأنها ورد مسمم وميت مفرود على ضلوعها.. وبكل هدوء قالتلي على اسم الراجل اللي عمل فيها كده: مدير مدرستها، الراجل اللي فاكر نفسه فوق الحساب و”مسنود”. على الصبح، كانت المستشفى بلغت الشرطة. وعلى بالليل، كانت الإدارة التعليمية بتترجانا وبتتوسل عشان نسكت ومفضحهومش. بعد تلات أسابيع، دخلت اجتماع مجلس الإدارة وفي جيبي فلاشة…

​أنا لسه فاكر ريحة الفشار وورق الشجر المبلول.

لو كنت سألتني قبل كل ده عن اللحظة اللي هتقلب حياتي وتغيرها، كنت غالباً هتخيل حاجة درامية أوي—حادثة عربية مثلاً، مرض خطير، أو مصيبة كبيرة تيجي بسارينات إسعاف وتتصدر عناوين الأخبار. لكن اللي حصل كان العكس تماماً، كان يوم تلات في آخر النهار في شهر أكتوبر، حبال النور كانت بتطفى وتنوّر فوق جراج المدرسة، وصوت ضحك وصريخ العيال مالي المكان وهم بيلعبوا في المولد الصغير اللي المدرسة عاملاه.

​مولد مدرسة “النيل” الابتدائية كان دايماً من أحب الأيام لقلب “ليلى”. كانت بتعيش عشان اليوم ده. قبلها بأسبوع كامل مابتفصلش كلام عن ألعاب النشان، وطبق الحظ، وإذا كانت السنة دي هي اللي هتكسب فيها دبدوب الباندا الكبير اللي كان متعلق فوق تربيزة الجوائز زي الأساطير.

​عشان كده، لما شدت كم الجاكيت بتاعي بعد ساعة واحدة بس من وصولنا، وقالتلي بصوت صغير ومخطوف: “بابا.. ممكن نروح؟ أرجوك..”—عرفت إن فيه حاجة غلط.

​”بالسرعة دي؟” بصيتلها باستغراب. الدنيا كانت مغيمة خفيف والجو فيه سقعة الخريف الأولى. العيال كانوا بيجروا حوالينا وفي إيديهم غزل البنات ووشوشهم متلونة ومتبهدلة. “طب ولعبة طبق الحظ؟ ده أنتِ مستنية اليوم ده من أول السنة”.

​كنت مستني منها ابتسامة، أو تضحك وتقولي تريقة من بتاعة عيال الأيام دي. لكن صوابع “ليلى” كلبشت أكتر في قماش الجاكيت بتاعي. وتحت الإضاءة الصفرا بتاعة كشافات الجراج، وشها كان باين صغير أوي.. ومخطوف. عينيها مكنتش قادرة تيجي في عيني.

​قالت: “تعبانة.. مش قادرة. ممكن نمشي؟ أرجوك؟”

​كلمة “أرجوك” دي هي اللي هزتني. هي بتقولها كتير، بس المرة دي كانت طالعة بشكل تاني. طالعة بكسرة وخوف. كنت سامع نبرة رعب مستخبية في صوتها، كأن فيه حبل مشدود على آخره وهيقطع.

​قلت لها علطول وأنا بداري خيبة أملي: “حاضر، يلا بينا”، مع إني كنت لسه شاري دفتر تذاكر كامل مالحقناش نلمسه. “يالا يا حبيبتي نروح”.

​وأحنا ماشيين في حوش المدرسة رايحين ناحية الجراج، صوت المولد والزيطة بدأ يبعد ويتحول لزنة بعيدة ورا ضهرنا. “ليلى” كانت لازقة فيا تماماً، مكنتش بتتنطط قدامي زي عوايدها، ولا بتشاور على أصحابها ولا الزينة. كانت ماشية وباصة في الأرض، ومربعة إيديها حوالين بطنها.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *