اهانو امي حكايات صافي هاني
أحمد ابتسم وأخدني في حضنه وقال: “البيت ده يا أمي مش حيطان وسقف.. البيت ده هو أنتِ. طول ما أنتِ منورة فيه ودعوتك سانداني، أنا حاسس إني أملس ملوك الدنيا”.
ومن يومها، وعرفت إن ربنا عوضني خير عن كل لحظة شقى وتعب شفتها، وأن الشجرة الطيب اللي زرعتها وسقيتها بحنيتي طول السنين اللي فاتت، طرحت راجل بجد، سند وضهر ميميلش أبدًا.
ومرت الأيام، والبيت اللي كان واكلني فيه الحزن والكسرة، بقى حتة من الجنة. رجعت الضحكة تعلي في الصالة، والخير يملى المكان، وبقيت كل ما أبص حواليا وأشوف حيطان البيت اللي بنيته بإيديا، أحس بالدفا والأمان بعد ما كنت بغربل الدموع في غياب ابني.
أحمد ربنا فتحها عليه في شغله الجديد هنا في مصر، وبقى مشروع يجر مشروع، وكل خطوة كان بيخطيها كان يقولي: “بركتك يا أمي ودعاكي هما السر”. وفي يوم جمعة، وإحنا ملتمين على طبلية الغدا اللي بقالنا سنين ما قعدناش عليها سوا، لقيت أحمد بيبصلي وابتسامته مالية وشه، وطلع من جيبه علبة قطيفة صغيرة وحطها في إيدي.
فتحتها وأنا مستغربة، لقيت فيها مفتاح دهب صغير ومعاه ورقة مطوية. بصيت له وقلتله: “إيه ده يا بني؟”
قال لي وهو بيبوس إيدي: “ده مفيد لصحتك بجد بقى يا أمي.. دي أوراق رحلة عمرة، والمفتاح ده بتاع شقة صغيرة على البحر في الإسكندرية، تروحي تقضي هناك أسبوعين تغيري جو وتردي صحتك، والست اللي بتساعدك هتروح معاكي تخدمك هناك زي هنا بالظبط”.
دموعي نزلت بس المرة دي كانت دموع فرحة، دموع أم حست إن شقا عمرها ماراحش في الأرض. مسكت المفتاح وضميته لصدري وقلتله: “ربنا يباركلي فيك يا أحمد، ويجعل في طريقك بكل خطوة سلامة، ويرزقك ببنت الحلال اللي تصونك وتعرف قيمتك وتشيلك في عينيها زي ما شيلتني”.
أحمد ضحك من قلبه وقال: “بنت الحلال اللي هتدخل البيت ده يا أمي، مش هتدخله غير لو شالت تراب رجليكي فوق راسها.. أنا اتعلمت الدرس، والبيت ده خلاص بقى محرم على أي حد ما يعرفش مقامك”.
سندت ظهري لورا وأنا مرتاحة ومطمنة، وبصيت للسما وقلت: الحمد لله.. حمدًا يوافي نعمه.. نمت والكسرة هداّني، وقمت وأنا ملكة زماني بفضل ربنا وبفضل ابني البار.
وفعلاً، سافرت وعملت العُمرة، ودعيت له هناك من كل قلبي تحت المطر وفي كل سجدة إن ربنا يفتحها عليه ويرزقنا برزق ملوش آخر. ورجعت من السفر وشي منور، وصحتي ردت فيا، وقضينا الأسبوعين بتوع إسكندرية والبيت هناك كان يفتح النفس، والبحر قصادنا يغسل الهموم.
في يوم وإحنا قاعدين بعد ما رجعنا، لقيت أحمد داخل عليا ووشه فيه فرحة وكسوف واد صغيّر. قعد جنبي وقال لي: “أمي.. أنا شكل دوتك استجابت، ولقيت بنت الحلال”.
قلبي رفرف من الفرحة وقلت له: “يا الف نهار مبروك يا بني! ومين تعيسة الحظ.. قصدي سعيدة الحظ دي؟”
ضحك وقال لي: “دي مهندسة معايا في الشركة الجديدة، اسمها مريم. بنت ناس ومتربية، وأهم حاجة يا أمي إنها لما عرفت حكايتي وقصتي معاكي، عينها دمعت وقالت لي: ‘الراجل اللي يشيل أمه فوق راسه، يتشال في العين وبيتأمن على بيت وعيال’.”

