اهانو امي حكايات صافي هاني

​الجو في الأوضة قلب ثلج. أحمد ساب شنطته الميري على الأرض، وقام وقف بالراحة…

 

ميرفت وشاهيناز كانوا بيجروا في الشقة زي الفراخ المذعورة، بيلموا لبسهم وحاجتهم في الشنط وهم بيترعشوا، وصوت سحابات الشنط والكعب العالي بتاعهم وهو بيخبط في الأرض كان هو الصوت الوحيد المسموع في البيت، لحد ما الباب اترزع وراهم والبيت رجع له هدوءه تاني.

​أحمد فضل ساند راسه على إيدي الكفتين، دموعه كانت دافية وبتنزل على صوابعي المتشققة كأنها بتغسل الوجع والذل اللي شفته في غيابه. قمت بالراحة وشديته من إيده عشان يقف، وضهرى واجعني، بس قلبي كان طاير من الفرحة.

​”يا بني، مكانش ليه لزمة كل ده.. أهم مشيوا وسابوا البيت، بس بيتك اتخرب يا أحمد.” قلتها بكسرة ونبرة لوم الأم اللي خايفة على مصلحة ابنها ومستقبله.

​أحمد وقف، وطبع بوسة على جَبيني، وابتسم ابتسامة هادية بس فيها قوة تملى بلد. شال الجردل والممسحة من على الأرض وحدفهم في الحمام، ورجع مسك إيدي وقعدني على الكنبة الجلد اللي كانت ميرفت مأنتخة عليها من شوية.

​”البيت اللي يتهان فيه ضفرك يا أمي، ميبقاش بيت، يبقى خرابة.” قالها وهو بيبص في عينيا بكل حسم. “شاهيناز ميرضهاش تعيش مع راجل، هي وأمها كانوا عايزين خدامة، وأنا متغربتش وشقيت في الحر برة عشان أرجع ألاقي ملكة البيت ده بتمسح جزمهم. اللي يفرط في أمه يفرط في عرضه يا أمي، وأنا واد صعيدي ومتربي على إيدك.”

​طلع منديل من جيبه وبدأ يمسح الكريم اللي كان باقي على إيدي بالراحة، وكمل كلامه: “أنا هرتب الورق، والقضية هتوصل للمحكمة وهاخد كل حقي، والباب اللي اتقفل وراهم مش هيتفتح ليهم تاني طول ما أنا عايش على وش الدنيا. من النهارده، مفيش شقى، ومفيش مسح، ومفيش غربة تاني.. أنا رجعت عشان أخدمك تحت رجليكي.”

​سندت راسي على كتفه العريض وأنا حاسة إن الروح ردت فيا من تاني، والبيت اللي بنيته طوبة طوبة زمان، رجع يتدفى بأمان ابني وسندي اللي ربنا كرمني بيه.

فاتت الأسابيع وأحمد نفذ كل كلمة قالها. المحامي بتاعه خلّص كل الإجراءات، وورقة طلاق شاهيناز راحت لها لحد بيت أمها، ومعاها كل حاجتها اللي كانت باقية في البيت. ميرفت حاولت تبعت ناس وتوسط قرايب عشان أحمد يهدى ويرجع في كلامه، بس هو كان واخد قرار قاطع ومفيش فيه رجوع؛ الباب اللي اتقفل في وش قلة الأصل مبيفتحش تاني.

​أحمد نزل السوق واشترى لي أحسن هدوم، وجاب ست غلبانة ومحترمة من المنطقة تيجي تشيل عني شغل البيت كله، ومبقاش يخليني أمد إيدي على قشاية. كل يوم الصبح، قبل ما ينزل يشوف مصالحه وشغله الجديد اللي بدأ يؤسسه هنا في مصر، يدخل عليا الأوضة ويبوس إيدي ورأسي ويقولي: “ادعي لي يا أمي، رضاكي هو اللي ممشيني في الدنيا”.

​وفي ليلة، كنا قاعدين بنشرب الشاي في الصالون، في نفس المكان اللي شفت فيه الكسرة، بس المرة دي الضحكة كانت مالية الشقة. بصيت لأحمد وقلت له بقلب راضي: “عارف يا بني.. البيت ده وأنا ببني طوبة طوبة زمان مع أبوك الله يرحمه، كان كل حلمي إنه يشيلنا ويحمينا. لما غبت ودخلوا هما فيه، حسيت إن الحيطان غريبة عليا وبتخنقني.. بس لما رجعت، الروح ردت في البيت وفيّا من تاني”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *