اهانو امي حكايات صافي هاني

​يوم الخطوبة، البيت رجع يتملي زغاريط وفرحة من جيرانا وحبايبنا اللي بقالنا كتير ما فرحناش معاهم. مريم دخلت البيت، وأول ما شافتني، ما مدت لّي إيدها تسلم، دي وطت على إيدي باستها بكل أدب وقالت لي: “منور بيكي يا طنط، والبيت ده ريحته كلها بركة وخير بسببك”.

​بصيت لأحمد ولقيت عينيه بتلمع بفخر، وبصيت لحوائط البيت اللي تعبت فيه زمان، وحسيت إن كل طوبة فيه بتضحك معايا. شاهيناز وأمها ميرفت كانوا فاكرين إنهم لما يكسروني هيهدوا البيت، مكنوش يعرفوا إن البيت بأصله، وأصل البيت ده هو الحنية والبر اللي أحمد رجّعهولي.

​ودلوقتي، وأنا قاعدة وسط ابني ومراته الجديدة اللي ربنا عوضه بيها، وبنشرب الشاي سوا، بقيت أبص لأحمد وأفتكر يوم ما رجع ولقاني بمسح الأرض.. وأقول في بالي: “سبحان مغير الأحوال.. من وقفة على الركب لكسرة نفس، لقعدة ملوك وسط اللي بيصونوا اللقمة وبيعرفوا قيمة الأصول”.

ومع الأيام، مريم أثبتت فعلاً إنها بنت أصول ومن طينة طيبة. مكنتش بتفوت فرصة غير لما تحسسني إنها بنتي مش مرات ابني، وكانت دايماً تقول لي: “البيت ده يا طنط فيه روح حلوة، البركة اللي هنا بسببك أنتِ”.

​وفي يوم، كنا قاعدين كلنا بنتعشى، وأحمد كان باصص لي وفرحان باللمة والضحكة اللي رجعت تملى المكان، وفجأة تليفونه رن. قام رد برة الصالون، ورجع وشه متغير وفيه علامات تعجب.

​قعد جنبي وقال لي: “أمي.. شاهيناز اتصلت بيا”.

أنا قلبي انقبض شوية وسألته: “عايزة إيه يا بني بعد كل ده؟”

​أحمد أخد نفس طويل وقال: “بتعيط وندمانة.. قالت لي إنها من يوم ما سابت البيت ده والفقر والنكد ركبوا حياتها هي وأمها، وإن ميرفت أمها تعبت وجالها جلطة ومبقتش تقم من السرير، وشاهيناز دلوقتي هي اللي واقفة تخدمها وتغسل لها وتكنس تحت رجليها بعد ما كانت بتتعالى عليكي.. وبتقولي إن ده ذنب أمك وخالص منها”.

​مريم أول ما سمعت كده، بصت لي وبصت لأحمد وقالت بهدوء: “سبحان الملك.. الجزاء من جنس العمل، اللي عملتوه في أمهاتكم اترد لكم في الدنيا قبل الآخرة”.

​أحمد بص لي وقال لي: “أنا قلت لها يا شاهيناز أنا مش شايل منك ولا عايز أئذيكي، بس إحنا طريقنا اتقطع، والبيت اللي اتهانت فيه أمي، ربنا حرمه عليكي.. وربنا يشفي والدتك”. وقفل الصفحة دي تماماً وللأبد.

​بصيت لأحمد ودموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع شكر لله العزيز المنتقم، اللي بيجيب حق المظلوم ولو بعد حين. أحمد طبطب عليا وأخدني في حضنه، ومريم جت قعدت الناحية التانية وحضنتني هي كمان.

​في اللحظة دي، وأنا بين ابني البار ومراته الصالحة، بصيت لسقف البيت اللي بنيته زمان بإيديا، وحسيت إن الحيطان نفسها بترد عليا وبتقولي: “ارتاحي يا أم صابر، شقاكي مراحش هدر، وراجلِك صانِك وصان البيت”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *