جدته اتوفت حكايات صافي هاني

ستي الغنية الله يرحمها مسابتليش مليم واحد في وصيتها، بعد ما كانت واعداني إني هورث كل حاجة. وفجأة، لقيت المحامي بتاعها بيسلمني مفتاح جراج سابتهولي، وأول ما فتحت وشوفت اللي جواه، ركبي خانتني ووقعت على الأرض من الصدمة.

​الحكاية بدأت من زمان، بعد ما أبويا وأمي توفوا في حادثة عربية، وستي هي اللي تولت تربيتي. أنا طول عمري شايل لها الجميل إنها لمتني وفتحت لي بيتها، بس الصراحة علاقتنا مع بعض مكانتش سهلة أبدًا. ستي كانت ست مريشة ومعاها فلوس كتير، وكانت صاحبة سلسلة محلات سوبر ماركت كبيرة. بس رغم غناها، عمرها ما فكرت تديني قرش، وكانت دايماً تقولي: “أنا مش أبوكِ ولا أمك عشان أشيل همك وهم مصاريفك، اتعلم تعتمد على نفسك”.

​أنا عمري ما بصيت لفلوسها ولا طمعت فيها، وكنت بحبها من كل قلبي، بس عمري ما فهمت هي ليه كانت جافة وقاسية معايا كده. في الآخر، سبت المحافظة كلها وسافرت مدينة تانية عشان أدخل الجامعة، واعتمدت على نفسي بالكامل؛ قدمت على قروض طلابية واشتغلت شغلانتين بعد المحاضرات عشان أصرف على نفسي، وستي مساهمتش معايا ولا بمليم. وحتى بعد ما تخرجت، كنت لسه غرقان في الديون، وطاحن نفسي في الشغل، ومجهد نفسياً وجسدياً لآخر درجة.

​وفي يوم من الأيام، لقيت ستي بتكلمني في التليفون وبتقولي إنها تعبانة جداً وفي أيامها الأخيرة، وقالتلي: “تعال يا ابني خليك جنبي واخدمني في مرضي، وفي المقابل، ورثي كله هيكتبولك”. أنا وافقت من غير تفكير، ورجعتلها فوراً؛ كنت بوديها للدكاترة، وأساعدها في لبسها، وأنزل أفسحها وأشممها هوا، وعمري ما رفضت لها طلب.

​وبعد تلات سنين من الخدمة والتعب، ستي توفاها الله. بعد العزا، المحامي جمعنا عشان يقرأ الوصية، وكانت الصدمة! المحامي أعلن إن كل أملاكها وعقاراتها هتروح تبرعات للجمعيات الخيرية، وفلوسها اللي في البنك سابتها للشغالة اللي كانت بتنضف البيت، والدهب والمجوهرات اتوزعت على أصحابها ومعارفها. وأنا؟ طلعت من المولد بلا حمص.. صفر جنيه!

​الدنيا اسودت في عيني وكنت مكسور ومحطوم بشكل ما يعلم بيه إلا ربنا.

​تاني يوم الصبح، لقيت نفس المحامي بيخبط على بابي، وقال إن ستي سابت وصية سرية وتعليمات مشددة إنه يسلمني الظرف ده في اليوم ده بالذات. فتحت الظرف وأنا إيدي بترتعش، وقع منه مفتاح ورقة صغيرة.

​الورقة كانت مكتوبة بخط إيد ستي، ومكتوب فيها: “هتلاقي جراج مأجراه باسمي في العنوان ده… ادخله، وجوا هتلاقي اللي تستحقه بجد”.

​أخدت المفتاح وروحت على العنوان وأنا مش فاهم حاجة، ووصلت للجراج. حطيت المفتاح في القفل وفتحته، وأول ما الباب اترفع، هبت في وشي ريحة قوية جداً هزتني.

​خطيت خطوة وجوه، ومن الصدمة ركبي خانتني ووقعت على الأرض وصرخت بأعلى صوتي:

“يا رب.. يا لطيف.. إيه ده؟! ”

 

جوا الجراج كان فيه تلات صناديق خشب كبار مقفولين بقفول قديمة، وجنبهم مكتب صغير عليه كشكول متغطي بالتراب. قومت على رجلي وأنا جسمي كله بيلتفت حوالين المكان، الرائحة القوية دي كانت ميكس غريب بين ريحة الكافور والورق القديم وريحة فلوس مركونة بقالها سنين!

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *