ابويا طردني حكايات صافي هاني

​أخدت الماوس، وكتبت رد سريع ومقتضب لأختي:

“خلي بابا وماما يجوا مكتب رئيس مجلس الإدارة في سياتل يوم الخميس الساعة عشرة الصبح عشان يقدموا طلب الاستثناء وإعادة الجدولة بنفسهم. هكون مستنياهم”.

​قعدت لمستوايا في الكرسي، وبصيت على المدينة من ورا القزاز. هما جايين يترجوا غريب عشان ينقذهم من الشارع… ومش عارفين إن الغريب ده هو البنت اللي اتقالها في يوم من الأيام: “إياكِ تيجي تزحفي وتعيطي لما تفشلي”.

 

قفلت اللاب توب بتاعي، والصوت عمل تكة خفيفة قطعت السكون اللي في المكتب. قمت وقفت ورحت ناحية الحيطة القزاز الواسعة، وبصيت على الشوارع اللي تحت… الناس اللي ماشية زي النمل، العربيات اللي واقفة في الزحمة، والدنيا اللي بتجري برة ومفيش حاجة قادرة تلمسني هنا فوق.

​افتكرت شكل أبويا وهو بيقولي “الفن مش أكل عيش”، وافتكرت كام ليلة نمتها على مرتبة مفرودة على الأرض في أوضة ضلمة، وإيدي وجعاني من كتر الشغل والرسم عشان أثبت لنفسي قبل ما أثبتله إنه كان غلط.

​تلفون المكتب الداخلي رن، وصوت السكرتيرة طلع هادي ومنظم:

“آن نادية، مستر روسو على الخط التاني بخصوص صفقة الأنتيكات الجديدة في لندن.”

​أخدت نفس طويل وهديت ضربات قلبي.

“قوليلو هكلمه كمان خمس دقائق يا سارة.. وجهزيلي ملف الرهن العقاري بتاع عيلة (المنشاوي) في توسان، عايزه يكون على مكتبي بكره الصبح.”

​”تحت أمرك يا فندم.”

​قعدت تاني على الكرسي وبصيت على الإيميل للمرة الأخيرة قبل ما أقفله. يوم الخميس مش بعيد. هما جايين يقابلوا المستثمر الغامض، “السي إي أو” اللي في إيده يرميهم في الشارع أو يسيب لهم البيت.

​مش قادرة أستنى أشوف نظرة عيون أبويا لما يدخل من الباب ده، ويلاقيني أنا اللي قاعدة ورا المكتب.

 

يوم الخميس جه أسرع مما كنت متخيلة.

​الجو برة كان مغيم وسياتل نازل عليها مطر خفيف، مغرق القزاز بتاع مكتبي. قعدت ورا مكتبي الخشب الزان العريض، وحطيت قدامي ملف الرهن العقاري بتاع بيتهم. الساعة كانت تسعة وخمسة وخمسين دقيقة الصبح.

​ضربات قلبي كانت هادية بشكل غريب. مكنتش خايفة، ولا كنت متوترة.. كان جوايا شعور بالبرود التام، زي برودة القزاز اللي حاميني من شتا برة.

​تلفون المكتب رن. رفعت السماعة.

​صوت سارة السكرتيرة جه من برة: “آن نادية، عيلة المنشاوي برة وعندهم معاد مع حضرتك. أدخلهم؟”

​أخدت نفس طويل وقلت بنبرة مفيهاش أي تعبير: “دخليهم يا سارة.”

​الباب الخشب التقيل اتفتح بالبطيء. أول حد دخل كانت أختي نور، كانت باصة في الأرض وشكلها متبهدل، ووراها دخلت أمي.. كبرت وشعرها بقى أبيض، وضهرها انحنى أكتر من زمان، كانت ساندة على دراع أبويا.

​أبويا.. الراجل اللي كان صوته بيهز حيطان البيت، كان داخل وراسه مكسورة. بدلة قديمة واسعة عليه شوية، وعينيه دبلانة وتايهة في وسع المكتب وفخامته. مكانش باصص في وشي وهو داخل، كان باصص على السجادة، كأنه مكسوف من دقة رجله في مكان زي ده.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *