ابويا طردني حكايات صافي هاني
كمل وهو بيسخن أكتر، وصوته كان بيدخل في أفكاري اللي بتجري: “أنا خلاص بدأت أخطط للمواد اللي هتاخديها، ماريا هتساعدك تختاري. تقدر تدخلك نفس القسم بتاعها—”
”لأ.”
الكلمة طلعت قبل ما أقدر أمنعها، هادية بس واضحة. قطعت خطبته زي السكينة.
الأوضة اتغيرت في ثانية.
عيني أبويا وسعت كأن حد حدف في وشه مية ساقعة. راس أمي اترفت فجأة من على الترابيزة. الساعة القديمة على الحيطة تكت مرة، التانية، وصوتها كان عالي زيادة عن اللزوم.
سألني: “أنتِ قولتي إيه؟”
زوري كان ناشف، بس الكلمة كانت أسهل تاني مرة. كررتها: “لأ، مش هدخل هندسة. أنا رايحة كلية التصميم”.
وشه اسود، وحمار خفيف بدأ من رقبته وزحف لفوق. إيديه، اللي لسه ماسكة الجواب، اتكورت وبقت قبضة، وكرمشت الورق النضيف.
قال بصوت واطي ومخيف: “يعني فاكرة نفسك كبرتي خلاص، فاكرة نفسك تفهمي أكتر مني؟ أكتر من أمك؟ أكتر من أي حد عاش الدنيا دي بجد؟”
قولت وركبي بتترعش، وغرزت ضوافري في كف إيدي عشان مبينش: “أنا فاكرة إني عارفة أنا عايزة حياتي تكون إزاي. أنا مش بطلب منك تدفع كل حاجة. المنحة بتغطي الأغلب. أنا حوشت…”
ضحك وقتها—ضحكة قصيرة وحادة خلت جسمي يقشعر. “حوشتي كام؟ معاكي إيه، كام مية دولار؟ ألف؟ أنتِ معندكيش فكرة الحاجات بتتكلف كام. الإيجار. المصاريف. السكن. عايزة تعيشي دور المستقلة، بس لما الدنيا تضلم في وشك هتيجي جري هنا وأنتِ بتعيطي وتقولي إن كان عندنا حق”.
أبويا وقف، وطوله كان مغطي على نور اللمبة اللي فوقينا، وضله اترمى عليا زي التهديد. حدف الجواب المكرمش في وشي. الورق خبط في خدي قبل ما يقع على السجادة القديمة.
شاور على الباب وقال بصوت هادي ومرعب لدرجة خلت شعري يقف: “اطلعي برة”.
أمي شهقت، ورفعت إيديها لبقها. “هيكتور، لأ…”
”برة!” المرة دي زعق، والصوت هز قزاز الشبابيك. “عايزة تبقي مستقلة؟ وريني شطارتك. اطلعي برة البيت ده دلوقتي، وإياكِ تيجي تزحفي وتعيطي هنا لما تفشلي وتكتشفي إنك ولا حاجة من غيرنا. من اليوم ده، ملكيش أب، وملكيش بيت”.
أنا منزلتش دموع. مكنتش قادرة أتنفس أصلاً. وطيت بالبطيء، ولميت الجواب المبهدل من على الأرض، ودموع أمي المكتومة كانت الصوت الوحيد في الأوضة وأنا بلف ضهري وبمشي. مشيت ومبصتش ورايا ولا مرة.
صوت زنة خفيفة رجعني للواقع.
بصيت على الشاشة. المؤشر كان لسه بيطفي وينور على إيميل أختي، كأنه بيصحيني من الكابوس.
اتنفست ديب، وحسيت بكرسي المكتب الفخم تحت جسمي، والهدوء اللي بمليون دولار اللي محاوطني في الدور التلاتين. أنا مفشلتش. أنا بنيت إمبراطورية من اللاشيء، من الخوف والوجع والورقة المكرمشة ديكها.
فتحت سيستم البنك اللي أنا بمتلك حصة حاكمة فيه، وطلبت بيانات الرهن العقاري بتاع بيت توسان. البيت اللي طردني منه زمان، وبقى مرهون للبنك بتاعي دلوقتي بسبب الديون.



