ابويا طردني حكايات صافي هاني
أخدت نفس طويل قوي، وحسيت كأن فيه حِمل تقيل كان كابس على صدري طول الاتناشر سنة اللي فاتوا.. وفجأة انزاح.
مستنتش لما يخرجوا من المكتب. رحت ناحية الأسانسير الخاص بتاعي، ضغطت على الزرار ونزلت للجراج تحت. ركبت عربيتي وسوقت في شوارع سياتل والمطر بيخبط على الزجاج الأمامي.
لأول مرة من سنين، مكنتش بفكر في الصفقات، ولا في الأنتيكات، ولا في الفلوس اللي بتزيد كل ثانية في حساباتي. كنت بفكر في نادية الصغيرة.. البنت اللي وقفت بطولها في الشارع ومعاها شنطة هدوم واحدة وكشكول رسم.
بصيت لنفسي في المراية اللي قدامي وابتسمت.. ابتسامة حقيقية، هادية، ومفيهاش أي وجع.
أنا منتقمتش منهم.. أنا بس خليت طردتي من البيت زمان، تبأى أغلى غلطة أبويا عملها في حياته.
ركنت العربية على الرصيف قدام معرض من أكبر معارضي في وسط البلد. نزلت، والمطر الخفيف كان بيلمس وشي، بس مكنتش حاسة بسقعته. دخلت من الباب الإستيل الكبير، والجرس النحاس الصغير رن معلنًا وصولي.
الموظفين كلهم وقفوا في ثانية، وحيو بتهذيب: “صباح الخير يا فندم”.
هزيت راسي ليهم بابتسامة هادية، ومشيت وسط الممرات. المعرض كان مليان تماثيل رخام إيطالي، وسجاد حرير فارسي، ولوحات زيتية أصلية من القرن التاسع عشر. وقفت قدام لوحة معينة.. كانت لوحة لبيت قديم في وسط صحرا، يشبه بيتنا في توسان، بس الألوان كانت دافية وفيها نور قوي طالع من الشبابيك.
وقفت أتأملها، وحسيت فجأة بـ “تكة” في دماغي.. الحكاية اتقفلت خلاص. كتاب الماضي اللي كان مفتوح وبيوجعني كل ما ألمحه، اتقفل واتحط في أبعد رف في المخزن.
تلفوني اتهز في جيب الجاكيت. طلعته. كان مسج من نور:
“إحنا استلمنا الورق والبيت بقى بتاعنا رسمي يا نادية. بابا طول الطريق في العربية مكانش بيتكلم، بس أول ما وصلنا الأوتيل.. عيط. عيط بحرقة عمري ما شوفتها فيه، وقال إنه مش زعلان عشان البيت، هو زعلان عشان ضيع بنته. أنا مش عارفة أقولك إيه.. بس شكرًا إنك منقذتيش البيت بس، أنتِ أنقذتِ كرامته كمان في عز ما هو كان مكسور.”
قريت الرسالة، ومسحت دموعة وحيدة هربت من عيني بسرعة قبل ما حد من الموظفين يلاحظها.
أبويا عرف قيمتي، وعرف إني مش البنت الفاشلة اللي هتصعب عليه. الوجع اللي كان جوايا اتقلب فخر. أنا مكسرتش أبويا عشان أنتقم.. أنا كبرت لدرجة إني بقيت السقف اللي حماه وحمى عيلته لما الدنيا شتت عليهم.
قفلت التلفون وحطيته في جيبي. التفت لمدير المعرض اللي كان واقف بعيد مستني إشارتي وباصصلي باحترام.
شاورتله وقولت بنبرة قوية، واثقة، ومليانة حياة: “مستر إدوارد.. اجهز. عندنا صفقة جديدة هنبدأ نشتغل عليها من النهاردة، وعايزة المعرض ده يتملي بلوحات لفنانين شباب لسه بيبدأوا طريقهم.. هندعمهم بكل اللي نقدر عليه.”
بصيت للوحة الصحرا للمرة الأخيرة، ولفيت ضهري وكملت طريقي للمكتب الداخلي، وأنا عارفة إن من اللحظة دي.. نادية مش هتبص وراها تاني أبدًا.

