ابويا طردني حكايات صافي هاني

​توسان. لسه شامة ريحة التراب الناشف في الجو والكمكمة الخفيفة للسجادة القديمة.

​كنت في السادسة عشر من عمري.

​صالة بيتنا كانت أضيق يومها، الحيطان كانت بتقفل علينا كأنها عايزة تشارك في الخناقة. التكييف الصحراوي القديم كان بيزيق في الشباك، بيبخ هوا سخن أكتر ما بيبرد أي حاجة. الكنبة المستعملة كانت هابطة تحت وزن أمي وهي قاعدة، إيديها مشبكة في حجرها، وعينيها مثبتة على الترابيزة المقشرة.

​الجواب كان محطوط هناك—أبيض، تقيل، وبيرتعش خفيف عشان إيدي كانت لسه بتهتز وأنا بفتحه.

​قولت وأنا بحاول أخلي صوتي هادي: “بابا، اسمعني، ده مش حلم. أنا اتقبلت. مدرسة رود آيلاند للتصميم. أدوني منحة جزئية. أنا حوشت—من الدروس الخصوصية، وشغل الصيف—وحسبتها. هعرف أمشي الأمور لو إحنا—”

​أبويا حتى مبصش للجواب. خطفه من على الترابيزة كأنه حاجة ملوثة ومسكه بين صباعين، دراعاته كانت مشدودة، وعروق رقبته بارزة.

​قال والكلمة بتنقط قرف: “فن! الفن مش أكل عيش يا نادية”.

​كانت في عينه النظرة اللي بتجيله لما الدنيا ترفض تمشي على مزاجه—عاصفة بتجمع بالبطيء ورا عينيه. شوفت النظرة دي متوجهة لبتوع خدمة العملاء، لتجار العربيات، وللجيران اللي بيركنوا قريب من رصيفنا. اليوم ده، كل الغضب ده كان متوجه ليا أنا.

​زعق وقال: “أنتِ هتدخلي هندسة زي أختك، ده اللي اتفقنا عليه”.

​قال “اتفقنا” كأني كنت طرف في الحوار ده مش مجرد عروسة لعبة بيحركها على رقعة شطرنج مستخبية.

​قولت بصوت يدوب مسموع: “أنا ما اتفقتش. أنا مشيت في السكة عشان مكنتش فاكرة إن عندي اختيار”.

​أمي نفضت فتلة صغيرة من على جيبتها، وكتافها كانت منكمشة لجوه. دايما كان بيبان حجمها أصغر لما هو بيعلي صوته، كأنها بتكش في شكل ياخد مساحة أقل.

​همست من غير ما ترفع عينها: “يا هيكتور، يمكن المفروض—”

​قطع كلامها بضربة حادة من إيده: “لأ. كفاية. لو فاكرة إني هرمي فلوسي عشان تقعدي تشخبطي وتضيعي وقت—”

​الكلام طلع مني غصب عني: “دي مش شخبطة!” كنت مواعدة نفسي هفضل هادية وبتكلم بالمنطق، بس في حاجة جوايا اتكسرت. “أنا تعبت طول عمري عشان ده. المنحة دي عليها منافسة كبيرة، مبيوزعوهاش كده وخلاص. أنا فعلا بدأت أطلب شغل، وفي ناس مستعدة—”

​برطم والكلمة طلعت منه زي القلم على الوش: “مش هاممني كام كشكول رسم ملتيه، العالم مش محتاج فنان جعان جديد يشتكي من قلة التقدير والشغف. العالم محتاج مهندسين. مبرمجين. ناس بتشتغل شغل بجد”.

​أنا فاكرة كويس صدري كش إزاي وقتها، وضربات قلبي بقت عالية ومغلوشة في ودني. كنت مجهزة نفسي لكل حجة كنت فاكرة إنه هيقولها—الفلوس، استقرار الشغل، البعد عن البيت. كنت بسمع الردود لنفسي في المراية، وعملت قوائم بمرتبات الخريجين، ومتوسط الدخل، وفرص التدريب.

​مفيش سيناريو في العالم بيجهزك لليوم اللي تسمع فيه حلمك وهو بيترمي في الزبالة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *