وصلت الجنازه حكايات صافي هاني

وصلت جنازة عيلة طليقي ومعايا خمس عيال، وبدأت الوشوشة والهمهمة من قبل ما ندخل الترب أصلاً. بس في اللحظة اللي بص فيها في وشوشهم وعِرف ملامحه اللي بتتحداه وبتفصّله، الست اللي ساعدت في خراب بيتنا وشها جاب ألوان واتخطفت تماماً. ساعتها بس عرفت إن الحقيقة خلاص هتطلع للنور، والفضيحة هتبقى بجلاجل قدام الكل.

​اسمي شاهندة، ولما رجعت السرايا بعد عشر سنين غربة، مكنتش نفس الست المكسورة اللي رموها برة زمان.

​أنا رجعت ولابسة الميري.

​العربية الجيب السودا وقفت بالراحة تحت سما مغيمة وضلمة، بالظبط في الوقت اللي كان صوان العزا وصوت الشيخ بيقرا لوفاة الحاج إسماعيل. الجو كان فيه ريحة شتا، والنجيلة المقصوصة، وريحة الصبار والورد اللي كانت فواحة زيادة عن اللزوم لدرجة تخنق في مكان زي ده. صوت الحصى قرقش تحت كعب جزمتي وأنا بنزل أول واحدة، بدلتني العسكرية الميري متفصلة عليا بالمللي، والأنواط والنياشين بتلمع بخفوت مع ضي الشمس الضعيف بتاع الصبح.

​وبعدين بيبان العربية الوراية اتفتحت.

​واحد ورا التاني، عيالي الخمسة نزلوا ورايا.

​في اللحظة دي.. الوشوشة اشتغلت.

​الصوت الساكت اتسحب بين الناس في المدافن زي شوية هواء وسط شجر ناشف.

​خمس عيال.

​كلهم سنهم قريب من بعض.

​تلات صبيان.

​وبنتين.

​أدهم، ويوسف، وكريم، ونور، وجنا.. وقفوا جنبي في صمت، بعيون كحيلة، وعضم وش بارز، وملامح عيلة (الخطيب) الأصيلة اللي البلد دي عارفاها أبا عن جد.

​كانوا شبه طارق الخطيب بالظبط.

​طليقي.

​الراجل اللي رماني وطلقني من عشر سنين من غير حتى ما يديني فرصة أفهمه إيه اللي حصل بالظبط.

​مسكت إيد عيالي ومشيت بيهم ناحية القبر. أنا مجيتش أدور على قرشين. ولا جيت أشحت رضا حد. وأكيد مجيتش أبرر حياتي لناس حكمت عليا ودبحتني من سنين.

​أنا جيت عشان الحاج إسماعيل كان البني آدم الوحيد في العيلة دي اللي عاملني بآدمية وكنت غالية عنده. حتى بعد الطلاق، كان لسه بيبعتلي جوابات بخط إيده على أي وحدة عسكرية بكون منقولة فيها. وكنت شايلة كل جواب منهم جوه المصحف بتاعي.

​عيالي كان ليهم حق يقفوا قدام جدهم اللي مات من غير ما يعرف حتى إنهم في الدنيا.

​مكوناش وصلنا لنص الطريق للمدفن لما فجأة وقفت شيرين في وشنا وعرضت طريقنا.

​شعرها متظبط على الشعرة.

​حلق لولي في ودنها.

​فستان أسود حرير.

​ونفس الابتسامة الباردة والمسمومة اللي حافظاها صم.

​من عشر سنين، كنت غبية ووثقت فيها في حاجات صغيرة في الأول.. وده كان أكبر مقلب وأكبر غلطة في حياتي.

​قالت بصوت عالي وقاصدة عشان قرايبهم اللي واقفين يسمعوا: “ظاهر كدة إن الميري والخدمة في الجيش معلمتكيش برستيج ولا أصول لحد دلوقتي!”

​ابني الكبير صوابعه اتشدت على إيدي.

​قلت ببرود وثبات: “وسعي من طريقي”.

​عين شيرين راحت على عيالي، فصصتهم واحد ورا التاني.

​سألت بتريقة ولقم: “إنتِ بجد مستنية حد هنا يصدق التمثيلية دي؟ فاكرة إن العيال دول ممكن يمتوا للعيلة دي بصلة؟”

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *