بيخدم جاره العجوز 1حكايات صافي هاني

​قعدنا في الصالون القديم بتاعه، صالون خشب زان من بتوع زمان، ريحة البيت كانت مليانة بريحة الماضي والكتب القديمة. عم عزت دخل المطبخ وعمل الشاي وجابه، وقعدنا نتكلم. المحادثة اللي كنت فاكر إنها هتاخد خمس دقائق، امتدت لساعة ووزيادة. الراجل بدأ يفضفض، حكالي عن شبابه لما كان مهندس في السكة الحديد، وعن مراته الله يرحمها “الحاجة هدى” وإزاي كانت مالية عليه الدنيا، وحكالي عن مصر زمان وأهل الحتة وجدعنتهم اللي بدأت تختفي.

​أنا كمان لقيت نفسي بتكلم معاه براحتي، حكيتله عن طموحاتي، وعن الضغوط اللي بمر بيها في الشغل. كان بيسمعني باهتمام أبوي ملمستوش من زمان. وقبل ما أقوم وأمشي، قولتله بهزار وضحكة صافية: “بقولك إيه يا عم عزت، من هنا ورايح أنت متنزليش السوق خالص، رجلك غالية علينا. كل يوم حد أنا إجازة، رن عليا بالتليفون أو اخبط عليا، وقولي أنت عايز إيه وأنا هجيبه لك لحد عندك في ثانية”. ضحك من قلبه ودعالي دعوة حسيت إن أبواب السماء اتفتحت ليها. مكنتش أعرف وقتها إن الهزار ده والكلمتين دول هيكونوا بداية لعهد ووعد هيدوم اتناشر سنة كاملة من عمري.

​الجزء الثاني: روتين الأحد ووداع هادئ

​ومع الأيام والشهور، الكلمتين اللي قولتهم لعم عزت بهزار اتمسك بيهم وبقوا فرض عليا، بس فرض بحب ورضا تام. السنين بدأت تجري، وصحة عم عزت بدأت تتراجع أكتر وأكتر. حركته بقت تقيلة، ونظره ضعف، ومبقاش يقدر ينزل السلم خالص. من هنا، بقيت أنا المسؤول الأول والأخير عن طلباته. كل يوم حد الصبح، أصحي من النوم، أخد منه الورقة الصغيرة اللي كاتب فيها طلباته بخطه المرتعش، وأنزل السوق.

​أشتريله الخضار الصابح، والجبنة البيضا اللي بيحبها، والعيش السخن، وأجيبله الأدوية بتاعته من الصيدلية. في الأول، كان عم عزت بيتحايل عليا بشكل مش طبيعي عشان ياخد فلوس قصاد تعبي أو يديني تمن “المشوار”. كان يمسك إيدي ويقولي: “يا بني أنت شقيان وتعبان، ميرضيش ربنا تاخد من وقتك وصحتك ببلاش”. كنت برفض تماماً وبزعل منه، وبقوله بقناعة وتأكيد: “عيب يا عم عزت، متقولش كده تاني.. ده حق الجار على الجار، والرسول عليه الصلاة والسلام وصى على سابع جار، وأنت مقامك عندي زي والدي الله يرحمه، وإحنا بقينا أهل خلاص”. لما لقاني مصمم ومستحيل آخد مليم، بطل يعرض الفلوس، بس كان بيعوضها بالدعاء اللي كان بيزلزل قلبي من كتر صدقه.

​العلاقة بيننا اتطورت وبقت أكبر من مجرد جار بيساعد جاره. الزيارة بتاعة يوم الحد دي بقت طقس أساسي في أسبوعي، حاجة مقدسة مقدرش أهملها. كنت أدخل عنده بالطلبات، ونقعد مع بعض بالساعات. نعمل شاي بـ “النعناع”، أو قهوة مظبوطة، ونقعد نحكي. ساعات يحكيلي عن حكايات قديمة من عهد الملكية وأيام الحروب، وإزاي الشعب المصري كان بيقف إيد واحدة في الأزمات. وساعات أنا اللي أفضفضله عن مشاكلي العاطفية، والضغوط المالية، والقرارات المصيرية اللي محتاج أخدها في حياتي. كان بيكلمني بحكمة السنين، ويهدي روعي، ويقولي: “سيبها على الله يا أحمد يا بني، اللي خلقها مبيضيعهاش، والضيق بيجي وراه الفرج، خلي يقينك في ربنا كبير”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *