بيخدم جاره العجوز 1حكايات صافي هاني

وفي أوقات تانية، كنا بنقعد ساكتين، مفيش كلام مهم بيتقال، مجرد ونس. هو يقرا في المصحف بتاعه، وأنا قاعد جنبه بقرا كتاب أو بقلب في التليفون، بس وجودنا مع بعض في نفس الأوضاع كان بيطرد وحشة البيت ويبث فيه الحياة. الزيارات دي غيرت فيا كتير، علمتني الصبر، وعرفتني قيمة البر بالمسنين، وحسستني ببركة غريبة في رزقي وصحتي طول السنين دي.
واتمرت الأيام والسنوات، لحد ما وصلنا للسنة الاتناشر. في الفترة الأخيرة، عم عزت كان بدأ يتعب جداً، ونبرة صوته بقت ضعيفة، وكان دايماً يوصيني ويقولي: “أنا تقلت عليك يا أحمد، بس ثوابك عند ربنا كبير يا بني، ربنا يجبر بخاطرك زي ما جبرت بخاطري في وحدتي”. كنت أقوله: “يا راجل يا طيب متقولش كده، أنت بركة العمارة كلها”.
لحد ما جه يوم حد.. صحيت الصبح بدري كالعادة عشان أنزل أجيب الطلبات. خرجت من شقتي، وبصيت بالصدفة على شقة عم عزت، ولمحت حاجة غريبة.. نور البلكونة الصغير لسه منور، والستارة مش محطوطة زي كل يوم. قلبي انقبض فجأة وحسيت بقلق مش مبرر. قولت يمكن نسي النور منور ونام. نزلت السوق وجبت الحاجة ورجعت على الساعة حداشر الظهر.
طلعت وخبطت على الباب بالراحة.. مفيش رد. خبطت تاني وتالت، وصوتي بدأ يعلى: “عم عزت.. عم عزت.. أنا أحمد”. مكنش فيه أي صوت جوه، والهدوء كان مرعب. اتصلت بتليفونه، سمعت رنته من ورا الباب بس مفيش حد بيرد. هنا الخوف تملك مني تماماً، وبدأت أظن الظنون. ناديت على بواب العمارة وبعض الجيران، وبمساعدة شباب الحتة، كسرنا الباب ودخلنا وإحنا بنسمي الله.
دخلت جري على أوضة نومه.. ولقيت الصدمة اللي وجعت قلبي. عم عزت كان نايم على سريره، وشه كان رايق ومبتسم، وإيده كانت محطوطة على صدره وفوقيها المصحف الصغير بتاعه. الراجل الطيب مات.. صعدت روحه لبارئها بمنتهى الهدوء والسلام وهو نايم في سريره. مات وعنده 84 سنة، بعد ما عاش حياة طويلة هادية، ومات بنفس الهدوء. الدموع نزلت من عيني من الصدمة، وحسيت إن حتة من قلبي اتأخدت مني، والبيت اللي كان مليان بالونس رجع تاني ضلمة وبارد.
الجزء الثالث: الأمانة الثقيلة والوصية الصادمة
الخبر انتشر في الحتة كلها، وبما إنه ملوش أهل، أنا والجيران اللي اتولينا كل حاجة. غسلناه وكفناه، وصلينا عليه صلاة الجنازة في المسجد الكبير اللي في أول الشارع بعد صلاة العصر. الجنازة كانت هادية وقليلة قوي، مكنش فيها غيري أنا وبواب العمارة وكام واحد من جيران الحتة اللي عرفوا الراجل الطيب على كبر. المشهد كان مؤثر جداً، راجل عاش العمر ده كله وف الآخر جنازته تكون صغيرة بالمنظر ده، بس عزائي الوحيد إننا دعينا له من قلوبنا، وإنه مات وهو صايم وقاري القرآن.
بعد ما خلصنا الدفن في المقابر والعزا انفض، والكل بدأ يمشي، وقفت لوحدي قدام القبر أقرأ له الفاتحة وادعي له بالثبات والمغفرة. ودموعي مش راضية تقف على فراق الصاحب والجار الطيب. وأنا خلاص بلف ضهري ومستعد عشان أمشي وأرجع بيتي وأنا حزين، لقيت راجل شيك جداً، لابس بدلة سودا كاملة ونظارة، وشكله وقور، بيقرب مني بخطوات ثابتة.

