بيخدم جاره العجوز 1حكايات صافي هاني

إليك القصة كاملة ومقسمة على ثلاثة أجزاء مشوقة، مكتوبة باللهجة المصرية العامية، وبنفس الروح والوقار المتناسب مع قيمنا ومجتمعنا، بدون أي فواصل أو إعلانات:
الجزء الأول: رشفة شاي غيرت كل شيء
الحكاية بدأت من اتناشر سنة كاملة، في عمارة قديمة من عمارات مصر الجديدة، الحيطان بتاعتها شاهدة على ناس عاشوا ومشوا، والزمن ساب أثره على كل حتة فيها. أنا اسمي أحمد، شاب زي أي شاب مصري، بجري في ساقية الدنيا من الصبح لليل عشان ألقط لقمة العيش. في الشقة اللي قصادي في نفس الدور، كان عايش راجل عجوز اسمه “عم عزت”. راجل وقور، شعره أبيض زي القطن، في عينيه نظرة طيبة بس وراها حزن ووحشة كبار. عم عزت كان عنده 84 سنة، وعايش بطوله في الشقة دي من يوم ما مراته اتوفت من سنين طويلة، وملوش ولاد ولا قرايب بيسألوا عليه.
علاقتي بيه في الأول كانت زي علاقة أي اتنين جيران في الزمن ده؛ يدوب سلام الله وفقط. نقابل بعض في المدخل وإحنا خارجين أو على السلم، أقوله: “صباح الخير يا عم عزت”، يرد عليا بصوت دافي: “صباح النور يا بني، ربنا يرزقك ويفتحها عليك”. وكل واحد فينا يروح لحاله. أنا في زحمة شغلي ومشاكلي، وهو في عزلته ووحدته. مكنتش أعرف عنه كتير، ولا كنت بفضى أصلاً إني أفكر هو عايش إزاي أو بيقضي يومه إزاي في شقته الضلمة دي.
لحد ما جه يوم حد، اليوم ده مش هنساه أبدًا، كان نقطة التحول في حياتي وحياته. كنت راجع من الشغل بدري على غير العادة، تعبان وعايز أنام. وأنا داخل من باب العمارة، لمحت عم عزت راجع من السوق. الراجل كان شايل أكياس خضار وطلبات تقيلة جداً، وجسمه الضعيف مكنش قادر يشيل. خطوته كانت تقيلة، وضهره محني، وإيديه بتترعش من التقل. وفجأة، كيس من الأكياس اتقطع، والبرتقال والخضار وقعوا على الأرض وبدأوا يتطوحوا في المدخل.
عم عزت وقف عاجز، ووطى ببطء شديد وهو بيأنين من وجع ضهره عشان يلمهم. في اللحظة دي، قلبي وجعني عليه، وحسيت إن ده واجبي وديني وإنسانيتي. جريت عليه بسرعة وقولتله: “العفو يا عم عزت، خليك أنت مستريح وأنا هلم كل حاجة”. وطيت ولميت الخضار، وأخدت منه بقية الأكياس التانية اللي كانت في إيده ومصمم يشيلها. الراجل بصلي ونظرة الامتنان في عينيه كانت تسوى الدنيا، وقالي بصوت مرتعش: “تعبتك يا بني، ربنا يكرمك ويجعله في ميزان حسناتك”.
شيلت الحاجة وطلعت معاه لحد الدور الثالث، ووقفت مستني لما فتح الباب. دخلت الأكياس لحد المطبخ، وكنت خلاص هقوله “عن إذنك” وأمشي، بس هو حلف عليا يمين عظيم إني لازم أدخل وأشرب الشاي معاه. قالي بنبرة فيها رجاء غريب: “والله ما أنت ماشي يا أحمد يا بني إلا لما تشرب معايا كوباية شاي، بقالي كتير مشربتش شاي مع حد”. أنا كنت تعبان وورايا حاجات، بس كسرة خاطره ونبرة الوحدة اللي في صوته خلتني أوافق فوراً ومقدرش أقوله لأ.

