استنجدت باختها 1 حكايات صافي هاني

وصلت للدور الفوقاني، ومشيت ورا الصوت لحد ما وقفت قدام باب أوضة النوم الرئيسية. الباب كان مقفول من جوه بـ الترباس. من غير ما أفكر مرتين، رجعت خطوة لورا ورزعت الباب برجلي بكل قوتي خبطة واحدة قوية. الخشب اطق ومفصلات الباب اتقطعت ودخلت الأوضة.
المنظر اللي شفته جوه خلّى الدم يتجمد في عروقي. الأوضة كانت مقلوبة، الأباجورة مكسورة على الأرض، والسجادة متزحزحة من مكانها، وكان فيه انسيال دهب مقطوع ومرمي في الزاوية، وفي الحيطة كان فيه خبطة جديدة لسة بياضها واقع على الأرض. لكن كل ده كوم، و”مارا” كوم تاني. أختي كانت متكومة في الأرض جنب السرير، واخدة وضع الجنين، ومحضنة بإيدها الاتنين على بطنها الكبيرة عشان تحمي ابنها. وشها كان منفوخ، وتحت عينها كدمة زرقا بتبان وتكبر، وشفايفها بتنزف دم خفيف. نفسها كان طالع بصعوبة جداً، عبارة عن أنفاس رفيعة ومتقطعة وكأن ضلوعها مكسورة.
أول ما سمعت صوت الباب، فتحت عينيها بالعافية، ولما شافتني، الرعب اللي في عينها اتقلب لدموع ارتياح. همست بصوت واطي جداً ومبحوح: “البيبي… يا لينا… بطني بتوجعني أوي”. أنا رميت نفسي على الأرض جنبها، ونزلت على ركبي، مسكت إيدها اللي كانت بتترعش وقست نبضها. كنت حاسة بنار بتاكل في صدري، غضب لو طلع هيحرق البيت باللي فيه، بس كان لازم أتحكم في أعصابي عشانها. قلتلها بصوت هادي وثابت على قد ما أقدر: “أنا معاكِ يا حبيبتي، متخافيش، الإسعاف جاية في السكة حالا.. خليكِ بس معايا ومتقفليش عينك”.
في الوقت ده، “إيفان” ظهر عند باب الأوضة، وكان واقف بيعدل هدومه بمنتهى البرود، وبص لـ “مارا” بنظرة تخويف وقال: “قوليلها الحقيقة يا مارا.. أنتِ اتكعبلتي في السجادة ووقعتِ وأنتِ رايحة الحمام، صح؟ هي اللي دايماً بتفهم غلط”. أول ما نطق، أنا لاحظت إن “مارا” انكمشت في مكانها واتفضت بجسمها كله قبل حتى ما هو يتحرك خطوة واحدة ناحيتها. الرد الفعل التلقائي ده، الخوف الفطري اللي بيخلّي الضحية تترعب من مجرد نبرة صوت الجاني، كان الكلمة الأخيرة اللي كشفتلي كل حاجة وأكدتلي الجريمة.
قمت وقفت وواجهته، وكنت خلاص هطلع الكلبشات، بس عيني لقطت حاجة غريبة في سقف الأوضة. فوق في زاوية جهاز إنذار الحريق، كان فيه لمضة حمراء صغيرة جداً، بتنور وتطفي بانتظام. اللمضة دي مكنتش بتاعة إنذار الحريق العادي. ابتسمت غصب عني وسط كل الحزن ده، وعرفت إن “مارا” طلعت سمعت كلامي ونصيحتي في الآخر.
من حوالي تلات شهور، لما زاد قلقي عليها، اشتريت كاميرا مراقبة مخفية صغيرة جداً وبتسجل صوت وصورة وبتتربط بالإنترنت، واديتها لها في السر وقلتلها: “شغليها وحطيها في مكان مستخبي لما تحسي إنك جاهزة، ولما يجي الوقت اللي تقرري فيه تحمي نفسك وتحمي ابنك”. “مارا” نفذت الكلام وحطتها جوه جهاز الإنذار.
”إيفان” كان واقف ورايا، فاكر ومطمن إنه حابس ست ضعيفة ومرعوبة جوه بيته، وفاكر إن مفيش حد هيصدقها قصاد نفوذه وفلوسه، وميعرفش إن الكاميرا دي كانت بتلقط كل نفس، وكل كلمة، وكل ضربة وكل إهانة وجهها ليها في الليلة دي. الراجل ده ببساطة، وبسبب غروره الأعمى، سجل بإيده ومستنداته لحظة دمار نفسه، وقدم الدليل اللي هيوديه ورا الشمس ويقضي على حياته للأبد.




