رميت هدوم. ابني حكايات صافي هاني

”أهو ده اللي ضيعه!” صرخت فيها: “خوفك العمى، وطبطبتك على خيبته! خليتيه يشوفنا إحنا والفلوس مجرد سبوبة.. مكنة بتجيب قرش وهو مأنتخ! شفتي الكلمة اللي صاحبه كاتبها؟ ‘الولية العجوزة’.. ده الاحترام اللي زرعتيه فيه؟”
سكتت، ومقدرتش تنطق بحرف. الحقيقة كانت مُرة، وأمرّ مما تتحمل.
قمت وقفت ودخلت الأوضة، طلعت غيار نضيف وأخدت دوش دافي عشان أفصل دماغي اللي كانت هتنفجر. وأنا تحت المية، كنت سامع صوت السكوت اللي مالي البيت.. سكوت غريب، بقالنا سنين مشفناهوش من ساعة ما مصطفى كبر وبقى صوته وزعيقه مالي المكان.
طلعت، لقيت تهاني لسه قاعدة مكانها، باصة في الأرض. البيت كان هادي.. هادي أوي لدرجة تخوف.
رحت على باب الشقة، وقفت ثواني.. فكرت يا ترى هو واقف بره على السلم مستني أمه تفتحله؟ هل لسه باقيله شوية كرامة ومشي؟
فتحت الباب وبصيت.. الطرقة كانت فاضية، وأكياس الهدوم مش موجودة. مصطفى لم حاجته ومشي.. مشي وهو ناوي يوريني الوش التاني، أو يمكن مشي وهو فاكر إنه بيعاقبني.
قفلت الباب وبالمفتاح لفيته لفتين.. تكة القفل دي كان ليها صوت غريب في ودني، كأنها بتعلن نهاية مرحلة وبداية مرحلة تانية خالص.
بصيت لتهاني وقلت بنبرة هادية بس قاطعة:
“الفيزا هتتلغي أول ما البنك يفتح الصبح. ومصطفى رجله م
ش هتعتب البيت ده طول ما أنا عايش.. ولو عرفت إنك وصلتي له قرش واحد من ورايا يا تهاني، يبقى بيتنا ده خلاص انتهى.. وكل واحد فينا يروح لحاله. شقايا مش هيروح للي مبيحترمنيش.”
دخلت أوضتي وقفت النور، اتمددت على السرير وعيني باصة للسقف. البيت كان ضلمة، بس لأول مرة من سنين.. مكنش فيه النور الأزرق بتاع البلايستيشن، ولا صراخ عيل صايع للصبح.
كنت عارف إن الأيام الجاية هتبقى صعبة، وإن تيريزا- قصدي تهاني- مش هتسامحني بسهولة.. بس كنت متأكد من حاجة واحدة: أنا منمتش في الليلة دي وأنا حاسس بالذنب.. نمت وأنا عارف إني عملت الصح اللي كان لازم يتعمل من زمان.
مرت تلات أسابيع على الليلة دي. البيت بقى عامل زي القبر، سكوت تام مبيقطعهوش غير صوت التلفزيون العالي اللي تهاني بتشغله عشان تهرب من طقطقة أفكارها. مابنتكلمش، يدوب “صباح الخير” و”العشا جاهز”، وعينيها دايماً كانت بتبصلي بعتاب صامت، كأني الراجل الندل اللي رمى ضي عينها للكلاب.
بس أنا مكنتش ندمان.
كل يوم كنت برجع فيه من الشغل، عيني بتدور تلقائي في الصالة.. مفيش زبالة، مفيش قزايز حاجة ساقعة فاضية، مفيش ريحة أكل بايت. البيت نضيف.. بس نضيف بزيادة، نظافة توجع القلب وتفكرك بالشرخ اللي حصل.
في يوم خميس، رجعت بدري شوية عن المعتاد. فتحت الباب براحة، وسمعت صوت تهاني في المطبخ بتتكلم في التليفون وصوتها واطي وبتعيط. وقفت مكاني ومتحركتش.
”يا بني عشان خاطري قولي أنت فين؟ بتاكل إيه وعايش إزاي؟ أختك كلمتني وقالتلي إنها شافتك شغال دليفري في منطقة قريبة.. يا مصطفى ارجع وراضيه، أبوك قلبه طيب وهيحن..”


