رميت هدوم. ابني حكايات صافي هاني

بعدين لمحت حاجة جنب الكنبة.
موبايل مصطفى.
نسيه.
الشاشة نورت بإشعار.
رسالة من رقم متسيف باسم “شُكشك”.
“خدت فلوس زيادة من الولية العجوزة بتاعتك، ولا لسه بتعيط؟”
حسيت بنار الغضب بتتحول لبرود في جسمي.
مسكت الموبايل.
تهاني خدت خطوة ناحيتي:
“عصام… تفتحهوش”.
بصيتلها.
وشها اتقلب.
مبقاش مجرد خوف على مصطفى.
ده كان خوف إني أكتشف حاجة أكبر.
فتحت قفل الشاشة.
آخر شات مفتوح كان فيه صورة لمراتي وهي بتسحب فلوس من مكنة البنك، ومعاها رسالة خلت إيدي تترعش:
“الفلوس أهي يا صاحبي، لسه مغفلها وسحبنا القرشين من ورا الحج قبل ما يرجع من الشغل.. يلا بينا نسهر سهرتنا”.
شيلت عيني من على الشاشة وبصيت لتهاني. كانت واقفة منكمشة على نفسها، ودموعها مش ملاحقة تنزل، كأنها طفل اتمسك بيسرق.
عرفت ساعتها إن الوجع مكنش من مصطفى لوحده.. الوجع الحقيقي كان جاي من شريكة عمري، الست اللي طفحت الدم معاها عشان نبني البيت ده.
”كنتي بتسرقيني يا تهاني؟” صوتي طلع واطي، مخنوق، أضعف من أي وقت فات.
”عشان خاطري يا عصام.. ده ابني، كنت خايفة يعمل في نفسه حاجة، مكنتش قادرة أشوفه مكسور ومعهوش فلوس..” قالتها وهي بتنهار على الأرض.
”ده مكنش مكسور.. ده كان بيكسرنا!” زعقت والوجع في قلبي أشد من نار الشغل. “كنتي بتديله شقايا عشان يروح يسهر ويصرفهم مع صياع زيه، ويسميكي ‘الولية العجوزة’؟ ده اللي ربيتهوله؟”
مسكت الموبايل ورميته بكل عزمي في الحيطة، اِتدشدش مية حتة. تيريزا شهقت وغطت وشها بإيديها.
بصيت لبيتي اللي ضيعت عمري كله فيه.. الصالة الضلمة، طبق الأكل المرمي في الزبالة، والست اللي كنت فاكرها سندي وهي بتغفلني. قعدت على الكرسي، حطيت راسي بين إيديا، ولأول مرة من 40 سنة.. دموعي نزلت.
مكنتش وحش.. أنا بس كنت الأب الوحيد اللي صاحي في البيت ده.
مسحت دموعي بسرعة كأني بخبي ضعفي حتى من الحيطان. وقفت على رجلي بالعافية، وجسمي كله كان مهدود، بس الوجع اللي في صدري كان مخدر أي تعب جسدي.
تهاني كانت لسه قاعدة في الأرض، بتعيط بصوت مكتوم وجسمها كله بيترعش. بصيتلها ونفست الصعداء بمرارة.
”قومي يا تهاني.. قومي اقعدي على كنبِتك اللي ابنك كان حاطط رجله عليها.”
قامت براحة، مكسورة، مش قادرة تحط عينيها في عيني. قعدت على طرف الكنبة وهي بتفرك في إيديها الورمانة، نفس الإيدين اللي شقيوا معايا، ونفس الإيدين اللي سرقتني عشان تدلع عيل مبيطمرش فيه.
”أنا عمري ما بخلت عليكي ولا عليه بقرش.” قعدت على الكرسي اللي قدامها وكملت: “كنت باجي على نفسي، وبشيل نوبيتين ورا بعض، وبنزل في عز المطر والحر عشان متمديش إيدك لحد، ولا هو يحس إنه أقل من زمايله.. تقومي تسرقيني؟ تطلعي الكارت من محفظتي وأنا نايم زي القتيل من تعب الشغل وتروحي تسحبي عشان الباشا يسهر؟”
”والله ما كنت بديله عشان يسهر يا عصام!” ردت شهقاتها وهي بتترجاني: “كان بيقولي إنه مديون، وإن أصحابه بيهددوه، كنت بخاف عليه يدخل السجن أو يتضرب.. أنا أم يا عصام، غصب عني.. غصب عني قلبي كان بيتقطع عليه.”




