كسبت تسعه وتمانين مليون حكايات صافي هاني

​فتحت الدولاب، علقت الجاكيت الرمادي جمب هدومي البسيطة. مكنش عندي حاجات كتير، السنتين اللي فاتوا علموني إن الواحد لما بيعيش في مكان مش بتاعه، بيتعود يلم حاجته كلها في أسرع وقت عشان لما الكلمة تتقال.. يعرف يمشي في ثانية. بس خلاص، الشنط دي هتتفك وهتترص، والهدوم هتاخد راحتها في الرفوف من غير ما حد يقول دي واخدة مساحة مش بتاعتها.

​طلعت المصحف وحطيته على الكومودينو جمب السرير. فتحته على سورة يس، وبصيت للورقة القديمة اللي سابها حسين الله يرحمه.. ورقة مكتوبة بخط إيده الناشف، كانت دعوة كاتبها في ساعة فجر: “اللهم سخر لها الأرض ومن عليها، ولا تجعل حاجتها في يد مخلوق”.

دمعة نزلت من عيني، بس مكنتش دمعة حزن، كانت دمعة وداع لكل الأيام الصعبة اللي عشتها وأنا حاسة إني تقيلة على قلب ابني.

​نزلت الطابق الأرضي، المطبخ كان واسع والرخام بتاعه دافي. فتحت التلاجة، مكنش فيها لبن لوز ولا جبنة صوابع ولا أكل معمول عشان يتصور. كان فيها حاجات بسيطة أنا اللي منقياها بنفسي. عملت عشا خفيف.. حتة جبنة بيضا وشوية بطاطس محمرة، وقعدت آكل براحتي.. على مهلي.. من غير ما شوكة حفيدتي تترفع وتسألني بعينيها “هتمشي إمتى”، ومن غير ما رانيا تبص للقمة اللي في بوقي وتحسبها بالقرش.

​على الساعة 9 بالليل، الباب خبط.

قلبي دق دقة واحدة سريعة، بس مكنش خوف، كان فضول. مشيت على مهلي وفتحت الباب السلك.

​كان واقف برة طارق.. لوحده.

شامم ريحة التعب والبهدلة عليه من بعيد، عيونه كانت حمرا وقميصه متبهدل، مش ده طارق بتاع “التجمع” اللي لبسه دايماً مكوي وعربيته دايماً بتلمع.

​بصلي من ورا السلك وبكى.. بكى بدموع حقيقية، زي العيل الصغير اللي تاه من أمه في السوق. قال بصوت مبحوح: “أمي.. أنا قلبت الدنيا عليكي، سألت في كل حتة لحد ما عرفت طريق المحامية وهي اللي دلتني.. أرجوكي يا أمي افتحيلي.. أنا تعبان أوي”.

​بصيتله ومفتحتش الباب السلك، فضلت واقفة مكاني وقلت: “عايز إيه يا طارق؟”.

​”عايزك تسامحيني.. رانيا سابت البيت وأخدت العيال وراحت لبيت أهلها لما عرفت إن الفيلا هتتباع.. قالتلي اتصرف مع أمك ورجع البيت يا إما مش هتشوف العيال تاني. أنا هخسر كل حاجة يا أمي.. بيتي ومراتي وعيالي وبرستيجم قدام الناس.. كل ده عشان ليلة غبية غلطت فيها.. أرجوكي ارجعي معايا، الفيلا بتاعتك، والبيت بيتك، وإحنا اللي ضيوف عندك”.

​سندت إيدي على الباب، وبصيت في وشه المحفور فيه الكسرة.. وافكرت السنتين اللي فاتوا.. افتكرت لما كنت بلم ورق المدرسة وبطبق الفوط ومحدش فيهم قالي “شكراً يا أمي”.. افتكرت ليلة ما قالها وهو بيبصلي كأني فاتورة تعب من دفعها.

​قلتله بصوت هادي وواضح: “أنت زعلان على بيتك ومرتك وعيالك وبرستيجك يا طارق.. بس مش زعلان عليا أنا. أنت جيت لحد هنا عشان الورقة اللي اتبعتت لمرتك، مش عشان الكلمة اللي اتوجهت لأمك. البيت اللي أنت فيه مكنش بيتي يا ابن حسين، ده كان مجلة رانيا بتتصور فيها.. وأنا مكنتش أمك هناك، أنا كنت الشغالة اللي بتدير البيت ببلاش وبتدفع تمن لقمة أكلها من كرامتها”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *