اشتغلت مراسله في مصر حكايات صافي هاني

المكتوب في الورقة كان صدمة عمري: “أنا آسف.. مكنتش أقدر أقولك الحقيقة، الخطف مكنش عشوائي، والشر اللي هربت منه زمان لسه بيدور علينا.. الشريط ده فيه كل حاجة.”
جريت على عربيتي وشغلت الشريط في الكاسيت القديم.. صوت شوشرة في الأول، وبعدين طلع صوت جوزي وهو بيتكلم بنبرة كلها رعب وندم، وبيكشف السر اللي دفنه من عشرين سنة.. السر اللي غير كل حاجة كنت عارفاها عن عيلتي!
صوت جوزي في الشريط كان بيرتعش ومبحوح، بدأ يتكلم وهو بيلهث: “لو بتسمعي الشريط ده، يبقى أنا خلاص مابقتش موجود في الدنيا، ويبقى السر اللي عشت بيه عشرين سنة هاري في ضهري جه الوقت إنه ينكشف.. أنا ماخنتكيش يا سارة، ولا بعت بنتنا، أنا كنت بحميها.”
أنفاسه السريعة ملت المكان وهو بيكمل: “الموضوع بدأ في القاهرة، المقال اللي كنت شغال عليه مكنش مقال عادي.. أنا كنت بفتش ورا شبكة دولية كبيرة لتهريب الآثار وتبييض الأموال، ووصلت لأسماء ناس تقيلة ومهمة جداً.. ناس مابترحمش. قبل اختفاء تارا بيومين، جالي تهديد صريح: يا إما أسلمهم كل المستندات والتحقيقات اللي معايا، يا إما هياخدوا تارا.. أنا خوفت، خوفت أبلغ البوليس ليكونوا مخترقينه، وفكرت إني أقدر أتحايل عليهم.”
صوته اتخنق بالدموع وهو بيقول: “يومها، لما نزلت تلعب في الجنينة، هما جم وخطفوها فعلاً من قدام عيني.. كلموني وقالوا لي لو فتحت بقي بكلمة واحدة، أو لو المستندات دي اتنشرت، هيدفنوا بنتك صاحية.. الشرط الوحيد عشان تفضل عايشة، إني أخرس تماماً، وأنكر إني أعرف أي حاجة، وآخدك ونرجع أمريكا ونختفي.. وده اللي عملته. عشت عشرين سنة ميت صاحي، بتعذب كل ثانية وأنا شايف الكسرة في عينيكي.. تارا عايشة يا سارة، هما مخبينها في مكان أمام، بس بعيد عننا.. عايشة باسم تاني، وحياة تانية.. في الورقة اللي تحت الشريط، هتلاقي العنوان الجديد.. روحي لخلف جدار الحقيقة، ورجعي بنتنا.”
الشريط خلص ورجع صوت الشوشرة تاني.. قفلت الكاسيت وإيديا كانت بتترعش بطريقة مش طبيعية، قلبت العلبة الصفيح وفعلاً لقيت ورقة تانية مطبقة صغيرة في القاع.. فتحتها وعيني جت على العنوان.. العنوان كان في نفس المدينة اللي أنا فيها دلوقتي، على بعد كام شارع بس من الجراج!
لبست جاكتي بسرعة، ركبت العربية ودموعي مغمية عيني، سوقت زي المجنونة لحد ما وصلت للبيت المطلوب.. بيت صغير حواليه سور شجر، نزلت من العربية وقلبي بيدق في رجلي.. قربت من الباب وخبطت.. ثواني وباب البيت اتفتح، ووقفت قدامي بنت شابة.. الملامح، العينين، الضحكة المرتبكة.. كانت نسخة مصغرة مني.. تارا!
وقفت مكن مكانى، مش قادرة أخد نفسي.. البنت كانت بتبص لي باستغراب واندهاش، وسألتني بنبرة هادية: “أفندم؟ أقدر أساعدك بحاجة؟”
صوتها.. حتى نبرة صوتها رجعتني عشرين سنة لورا. دموعي نزلت غصب عني، ومطقتش غير كلمة واحدة: “تارا؟”


