بنتي همستلي حكايات صافي هاني

​لثانية واحدة، عقلي رفض يستوعب المنظر. كأن الصورة خبطت في جدار جوايا ورجعت، مكنتش قادر أصدق، لأن أكيد ده مش حقيقي! “ليلى” بيجيلها كدمات عادي—من وقعة في الحوش، وهي بتلعب بالعجلة، أو لما تخبط في طربيزة الصالون—بس مش كده! مش بالشكل ده.. مش علامات مقصودة ومطبوعة.

​سمعت صوت طالع، واستوعبت إنه طالع مني أنا. شهقة مكتومة اتعشرت في صدري. إيديا كانت مكلبشة في الدريكسيون لدرجة إن عقل صوابعي ابيضت.

​بالعافية طلعت الكلمة، بصوت مخنوق ومش صوتي خالص: “مين.. مين اللي عمل فيكِ كده؟”

​سابت البلوفر ينزل تاني وضمت نفسها، لفت دراعاتها حوالين بطنها كأنها بتداري الوجع وتثبت الهدوم. عينيها هربت من عيني وبصت في الأرض ناحية جزمتها.

​همست وقالت: “أستاذ حسن”.

​لثانية واحدة، عقلي قعد يقلب في الوشوش الغلط. حسن؟ حسن مين؟ عيل زميلها؟ مدرس؟ وفجأة الوش الصح ظهر في دماغي وجاب معاه موجة من الغثيان والقرف.

​سألتها، مع إني كنت عارف الإجابة خلاص، والكلمة كانت طالعة من بوقي زي مية النار: “المدير؟”

​هزت رأسها وهي لسه باصة في الأرض.

​”يا بنتي.. إزاي؟” كنت حاسس إني بتكلم تحت المية، كل حاجة بطيئة ومشوهة. “إمتى؟ وليه.. ليه مقولتليش من بدري؟”

​ردت عليا وهي بتترعش ونفسها بيقطع: “هو.. هو قال لي متقوليش لحد. قال لي لو قلتي، حاجة وحشة أوي هتحصل لك. وقال.. محدش هيصدقك أصلاً. عشان هو المدير الكبير.. وأنا مجرد عيلة صغيرة”.

​كانت بتحاول تقول الجملة الأخيرة دي بنبرة عادية، كأنها بتسمّع كلام مقتنعة بيه. والجملة دي وجعتني وهدتني أكتر من الكدمات نفسها.

​الغريزة اللي اتولدت جوايا في اللحظة دي كانت غريزة عمياء وبدائية. غريزة عايزاني أجيب مارشيدير وأكسر العربية، وأطير بيها في الجراج، وأهد حوش المدرسة، وأدخل الصالة اللي فيها الاحتفال، وأحط إيدي على “حسن” ده بغل وعصبية عمري ما حسيت بيهم في حياتي. كنت عايز أخليه يدوق ويحس بجسمه باللي بنتي حسته. كنت عايز أمحي الضحكة الصفرا اللزجة اللي دايماً راسمها على وشه في الطابور.

​شفت نفسي بعمل كده في خيالي، في لحظة غضب أعمى. الموضوع كان هيبقى سهل أوي. أنا عارف مكتبه فين. عارف السكة والمشية والباب. حافظ النبرة المناسبة اللي كان بيقول بيها في الإذاعة كل يوم الصبح: “صباح الخير يا زهور مدرسة النيل!”.

​لكن في اللحظة دي، “ليلى” لفت رأسها وبصت في عيني…

بصت في عيني.. والنظرة دي هي اللي فرملتني. كانت نظرة مليانة رجاء ورعب، كأنها بتقولي: “أنا ورتك وجعي عشان تحميني، مش عشان تسبني وتضيع وتضيعني معاك”. الغضب الأعمى اللي كان قايد جوايا انطفى فجأة وبقى رماد، وحل مكانه برود غريب.. برود مرعب، برود الراجل اللي بيخطط لكل خطوة جاية ومستعد يهد الدنيا على دماغ اللي فيها بس بالعدل والحق.

​أخدت نفس طويل، وحاولت على قد ما أقدر أخلي صوتي حنين وثابت، مش عايز أهز ثقتها فيا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *