بنتي همستلي حكايات صافي هاني

سألتها: “بطنك بتوجعك؟ يعني تعبانة ومغص ولا مجرد إرهاق وعايزة تنامي؟”
هزت كتافها، ودي مش طريقة “ليلى” في الرد أبداً. البنت دي في العادي مابتسكتش وبتدخل في تفاصيل التفاصيل. لو بطنها بتوجعها، كنت هسمع قصة كاملة عن الوجع فين بالظبط، وبدأ من إمتى، وبيشبه إيه من شخصيات الكارتون اللي بتابعها.
حاولت معاها تاني: “ليلى.. يا حبيبتي بصيلي، اتكلمي معايا”.
بلعت ريقها بصعوبة، وضمت إيديها على جسمها أكتر. “ينفع نتكلم في العربية؟”
في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا اتنفضت ووقفت تماماً.
وصلنا للعربية. الجراج كان لسه مليان، عربيات الأهالي واقفة ورا بعضها زي الطابور تحت النور البرتقاني بتاع كشافات الشارع. ناس بتضحك هناك على الشمال، وصوت الأغاني جاي من بعيد مع الهوا الساقع. ليلة عادية جداً مفيش فيها أي حاجة غريبة. وده كان أغرب جزء في الموضوع.. إنك تبقى واقف على حافة حياتك وهي بتهد وتتكسر، وفي نفس الوقت كل حاجة حواليك باينة طبيعية ومستقرة تماماً.
”ليلى” ركبت الكرسي اللي جنب السواق من غير ولا كلمة. مأوحتش معايا ولا طلبت تقعد قدام “عشان خاطر المرة دي بس” زي كل مرة. كانت بتحرك بجسمها كأنها كبرت فجأة، حركتها بحساب وخوف، كأن أي حركة مفاجئة ممكن تكسر حاجة جواها.
قعدت ورا الدريكسيون، قفلت الباب، ولقينا نفسنا قاعدين في سكون العربية وصوت الموتور الهادي. الإزاز بدأ يشبر خفيف من نفسنا. كنت سامع طقطقة الموتور وهو بيهدا، ودقات قلبي العالية في وداني.
مديت إيدي للمفتاح عشان أدور.
همست: “بابا”.
إيدي وقفت مكانها.
”نعم يا لولو؟”
”قبل ما نمشي.. عايزة أوريك حاجة”. صوتها كان واطي جداً لدرجة إني قربت ودني منها عشان أسمع. “بس توعدني إنك مش هتزعق ومش هتنرفز”.
قلبي اتعصر، عصره جامدة ووجعاني. جه في بالي مخاوف الآباء العادية—عملت مشكلة مع حد، اتخانقت، عملت مصيبة تانية من بتاعة العيال، كسرت حاجة، قالت كلمة عيب، أو كدبت في حاجة.
قلت لها: “أنا عمري ما أزعل منك أبداً”، وكنت أقصد الكلمة دي بكل جوارحي. “أي حاجة حصلت هنحلها سوا، ماشي؟”
كانت باصة قدامها من الإزاز، كتافها بتطلع وتنزل بنفس سريع ومكتوم. بعدين بصت حواليها في الجراج، بتلف بعينيها على العربيات اللي جنبنا، والمساحات الفاضية، وعلى كام ولي أمر لسه ماشيين رايحين وجايين من الحفلة. كانت بتتأكد إن مفيش مخلوق قبالنا أو شايفنا.
وبعدين، بالراحة أوي، رفعت طرف البلوفر بتاعها.
أنا بفتكر اللحظة دي أكتر من أي لحظة تانية في حياتي كلها. إزاي الدنيا اتقسمت لـ “قبل” و”بعد” في نفس واحد. إزاي العالم كله اتلخص في حتة الجلد البيضا بتاعة بطن بنتي وضلوعها تحت نور التابلوه، والعلامات الزرقا في الموف الميت المفرودة هناك زي الورد المسمم.
كدمات.. وآثار ضرب.
كانت مغرقة جسمها الصغير، علامات بعرض الصوابع وبقع غامقة في مراحل شفاء مختلفة. حاجات غامقة ولسه جديدة، وحاجات تانية بدأت تقلب على خَضار مريض عند الأطراف. نوع العلامات اللي لقطتها عيني علطول، زي اللي بتشوفها في كتب الطب الشرعي أو فيديوهات التوعية ضد العنف والاعتداء.



