بلاش فضايح حكايات صافي هاني

​مشيت بخطوات ثابتة لحد باب المكتب، خبطت وخبطتي كانت قوية.. مش زي زمان لما كنت بخبط بكسوف وخوف لإكون بقطع تركيزه.

​فتحت الباب ودخلت.

المكتب كان مقلوب.. ورق في كل حتة، قزايز شرب فاضية على الأرض، وفادي كان قاعد على الكرسي السنديان، قميصه متبهدل، ودقنه نبتت وبقا فيها شعر أبيض باين لأول مرة.

​أول ما شافني، وقف بسرعة وكأن الروح ردت فيه: “كاترين!.. أنتِ جيتي؟ أنا كنت عارف إنك هتيجي.. العرض بتاعك كسر الدنيا، أنا شوفت الصور.. برافو يا كاترين، طول عمرك شاطرة. تعالي.. تعالي نقعد ونشوف هنعمل إيه في دمج الشركات، التوكيل الإيطالي ممكن يرجع لو شافنا مع بعض تاني..”

​كان بيتكلم بسرعة ولهفة، زي الغرقان اللي بيتعلق بقشة.

​بصيت له بشفقة.. الشفقة دي هي أصعب شعور ممكن تديه للشخص اللي كان في يوم من الأيام مالي عينك.

​أنا: “أنا مش جاية أرجع يا فادي.. أنا جاية أخد ورقة الخلع، وباقي شهاداتي اللي في الخزنة.”

​فادي (ملامحه اتمطت بصدمة): “خلع؟ أنتِ بتتكلمي بجد؟ كاترين.. ماري سابتني! أخدت الشيك اللي كتبتهولها عشان الأتيليه وهربت برا البلد أول ما الحجز الإداري نزل على حسابات الشركة.. ماري طلعت بتخدعني!”

​أنا (بابتسامة باردة): “ماري مخدعتكش يا فادي.. ماري كانت واضحة من أول يوم، أنت اللي كنت عايز تتخدع. كنت عايز الست اللي تلمع بيك في الحفلات، الست اللي تظبط لك الكرافتة قدام الناس عشان تحس بـ برستيجك.. وهي عملت كدا بالظبط، ولما اللمعان انطفى والفلوس خلصت، مشيت.. ده قانون السوق اللي أنت بتفهم فيه.”

​قرب مني ودموعه نزلت.. لأول مرة أشوف دموع فادي الأسيوطي: “أنا ضيعت نفسي وضيعتك.. اديني فرصة واحدة.”

​أنا: “الفرصة دي أنا اديتهالك في كل ليلة كنت بستناك فيها لحد الفجر وأنت راجع من عندها.. اديتهالك في كل مرة كنت بتكسفني قدام أهلك وأسكت.. اديتهالك في ليلة العيد العاشر لشركتك لما سيبتني واقفة في الضلمة وطلعت بيها هي على المسرح. أنا مش زعلانة منك يا فادي.. أنا بشكرك، لأن قسوتك هي اللي خلتني أفتكر أنا مين.”

​فتحت الخزنة، أخدت أوراقي، وحطيتهم في الشنطة القماش البسيطة بتاعتي.

​وأنا رايحة ناحية الباب، لفيت وشي ليه وقولت له الجملة الأخيرة:

​”البيوت متبتبنيش بالفلوس والمنظرة يا فادي.. البيوت بتبتني بالاحترام والود.. وأنت مكنش عندك لا ده ولا ده. ربنا يعوضك.”

​خرجت من الفيلا.. المرة دي مكنش فيه مطر. الشمس كانت طالعة والجو دافي وصافي. ركبت عربيتي الجديدة اللي اشتريتها من شغلي وتعبى، وسقت وأنا مشغلة مزيكا هادية.

​بصيت في المراية.. شفت كاترين غالي.. البنت الطموحة، المصممة الناجحة، الست اللي مبقتش تخاف من الضلمة لأنها بقت هي النور.

 

مرت سنة كاملة على اليوم اللي خرجت فيه من فيلا الأسيوطي.

​سنة مشيت فيها في الشوارع وأنا راسي مرفوعة، مش خايفة من بكرة، ولا مستنية كلمة رضا من حد. الأتيليه بتاعي في وسط البلد بقا خلية نحل؛ زباين من كل حتة، فنانات، سيدات مجتمع، وبنات بيفهموا في الذوق العالي ومبهرين بالقصات اللي بنزلها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *