بلاش فضايح حكايات صافي هاني

​سكتّ لثواني.. “على فين؟” أنا ماليش مكان. بيت أبويا اتقفل واتباع نصه بعد ما مات مقهور، والمصنع القديم بقى مجرد فرع صغير تحت إيد شركة الأسيوطي.

قلت له بنبرة هادية بس ثابتة: “وديني وسط البلد.. عند بنسيون (جراند لوكاندة)”.

​هناك، في أوضة ضيقة سقفها عالي وفيها ريحة خشب قديم، غيرت هدومي. لبست بيجامة قطن من بتوع زمان، وقعدت على طرف السرير الحديد. الغريبة إني معيطتش. كنت حاسة براحة غريبة، وكأن جبل كان كاتم على نفسي واتزاح.

​تاني يوم الصبح، الساعة كانت 9:00 بالدقيقة.

موبايلى م بطلش رن. مش فادي طبعاً، فادي كبريائه يمنعه يكلمني بعد ما سيبت البيت. اللي كان بيرن هو المحامي بتاعي، أستاذ عادل.

​عادل: “صباح الخير يا مدام كاترين. أنا بلغت محامي فادي بيه بإنذار الطلاق رسمياً، ورفعنا دعوى الخلع وشق النفقة والمؤخر زي ما طلبتي.”

​أنا: “تمام يا أستاذ عادل. تفتكر رد فعلهم إيه؟”

​عادل: “ضحكوا يا فندم. المحامي بتاعه قالي نصاً: (خلّي المدام تلعب شوية، يومين وهتيجي تبوس الإيدين عشان المصنع والديون). هما مش واخدينك جدي.”

​ابتسمت وأنا ببص لكشكول الرسم بتاعي اللي فتحته قدامي على التربيزة. “سيبهم يضحكوا يا أستاذ عادل. الضحك ببلاش دلوقتي.”

​فادي وماري كانوا فاكرين إن نقطة ضعفي هي الفلوس، أو المصنع اللي فادي بيمنّ عليا بيه. بس اللي فادي ميعرفهوش، أو بمعنى أصح كان بيستخف بيه، إن المصنع ده أنا اللي كنت بديره حسابياً وفنياً من ورا الستار. العقود اللي اتوقعت السنة اللي فاتت مع أكبر براند أزياء في إيطاليا عشان نورد لهم قماش مصري فاخر، كانت بسببي أنا، وبتوقيعي كـ “مستشار فني” للشركة من غير ما حد يعرف.

​نزلت من البنسيون ورحت على طول على مكتب السجل التجاري، وبعدها على المصنع القديم بتاع أبويا.

​العمال أول ما شافوني بشنطتي القماش البسيطة وبان من غير برستيج “مدام الأسيوطي”، اتجمعوا حواليا. عم صابر، أقدم أسطى في المصنع، قرب مني وعينيه مليانة قلق: “ست كاترين! خير يا بنتي؟ فادي بيه باعت لنا ورق بيقول إن الشغل واقف لحد ما نخلص طلبيات شركة ماري هانم جرجس وببلاش!”

​هنا كل حاجة وضحت. فادي كان بيستخدم مصنع أبويا عشان يجامل ماري ويديها قماش مجاني لـ “أتيليه الأزياء” الجديد بتاعها.

​وقفت وسط العمال وقلت بصوت قوي سمعوه كلهم:

​”اسمعوني يا رجالة.. المصنع ده ملك أبويا الله يرحمه، والأسيوطي له فيه نسبة شراكة بس مش حق الإدارة. من النهاردة، مفيش متر قماش واحد هيطلع لماري جرجس ولا لفادي الأسيوطي من غير دفع كاش وبسعر السوق. واللي مش عاجبه، يوريني هيعرف يدير المكن ده من غير خطوط الإنتاج اللي أنا صممتها إزاي!”

​العمال هيصوا.. كانوا زهقانين من برود فادي وتحكمات ماري.

​بعد أسبوعين بالظبط، بدأ السحر ينقلب على الساحر.

​فادي اكتشف إن خط الإمداد الإيطالي وقف. الإيطاليين مش عايزين يتعاملوا مع “فادي الأسيوطي”، هما عايزين “كاترين غالي” اللي بتفهم في الفن والنسيج وتفاصيل الموضة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *