بلاش فضايح حكايات صافي هاني

”عمر ما كان عقلي في راسي زي النهاردة”.
أحمدت شنطتي، وسبت الورق على الترابيزة.
وخرجت من الصالة ومن غير ما أبص ورايا.
محدش جري ورايا.
أول ما خطيت بره القاعة، المطر خبط في وشي.. مطر ساقع وتخين.. غرق شعري ولزق فستاني على جسمي، وكعب جزمتي كان بيتزحلق على الرخام.
في اللحظة دي، كنت شبه ست خسرت كل حاجة في دنيتها.
بس أنا مكنتش خسرت حاجة.
أنا بس بطلت أشحت لقمة رضا من حد.
لما وصلت فيلا الأسيوطي، كانت الساعة عدت نص الليل.. المكان كان هسس، الأرض بتلمع، والنجف مخلّي البيت شبه قاعة عرض مش بيت عايش فيه ناس.
طلعت على أوضتي.
مش أوضتنا.
أوضتي أنا.
أنا وفادي نايمين في أوض منفصلة بقالنا تلات سنين.
في آخر الدولاب، ورا الفساتين البراند والشنط الغالية اللي المساعدين بتوعه كانوا بيشتروها في أعياد ميلادي اللي كان بينساها، كانت قاعدة الشنطة القماش البني القديمة اللي جيت بيها يوم فرحي.
جواها كانت حاجتي الحقيقية: قمصان قطن، علبة الخياطة بتاعتي، كشاكيل الرسم، مقص القماش، ومحفظة أيام كلية الفنون والتصميم.
قبل ما أبقى مدام فادي، كان نفسي أكون مصممة أزياء.. فيه دكتور في الكلية قال لي زمان: “يا كاترين يا غالي.. هييجي يوم والناس تلبس من اسمك وتفتخر بيه”.
وبعدين اتجوزت فادي.
واسمي اتمحى.
لميت الشنطة من غير ما ألمس غويشة ولا ساعة ولا شنطة غالية من هدايا السكرتيرة.. أخدت اللي بتاعي وبس.
وأنا نازلة، لقيت طنط مارسيل، الشغالة الكبيرة، واقفة جنب المطبخ بروبها، وعينيها مليانة دموع.
سألتني: “أنتِ بجد ماشية يا بنتي؟”
ابتسمت لها بوجع: “لو قعدت أكتر من كده.. مش هعرف نفسي تاني”.
حطت إيدها على بوقها وهي بتعيط.
كنت في نص الصالة لما نور عربية ضرب في الشباك.. العربية السودة وقفت بره، والباب اتفتح.
فادي دخل، وريحة الشرب والمطر قالعة منه.
وماري كانت معاه.
لسه معاه.
شالها الجاكيت الأبيض بتاعها على كتافها، وإيده في ضهرها كالعادة.. وبعدين شاف الشنطة في إيدي.
عينيه ضيقت.
”أنتِ هتعملي الهبل ده بجد؟”
”آه، بجد”.
ضحك بسخرية: “تلات أيام بالظبط وهتلاقيكي راجعة وبتبوسي الإيدين”.
بصيت له لآخر مرة في حياتي.
”لأ يا فادي”.
مسكت يد الشنطة بكل قوتي وعزمي.
”المرة دي.. أنا اللي ماشية بمزاجي قبل ما تيجى منك وتطردني”.
وأنا باخد أول خطوة في المطر بره البيت، سمعت ماري بتهمس ورايا بخوف خافت: “دي مش هتعرف تعيش من غيرك”.
ابتسمت وأنا ماشية في الضلمة.
لأني لأول مرة من خمس سنين، فهمت إن ماري مكنتش خايفة إني أقع.. هي كانت مرعوبة من إني أقف على رجلي تاني.
المطر كان لسه بينزل بغزارة، وصوت رعد بعيد كان بيهز الهوا الساقع. ركبت أول تاكسي قابلني على أول الشارع، رميت شنطتي القماش على الكنبة اللي ورا، وسندت راسي على الإزاز البارد.
السواق بص لي في المراية، شاف فستان السهرة الغالي وهو متبهدل ومبلول وشعري النازل على وشي، وسألني بصوت حنين: “على فين يا بنتي؟”

