جعلوها خادمه حكايات صافي هاني

وقفت لوسيا قدام الحوض وإيديها الاثنين غرقانين في مية مش نظيفة.
صوت مزيكا الحفلة كان جاي من الدور الفوقاني، هادي وراق ومكلف، وهي بتسند حلة ثقيلة على الرخامة وبتحاول تفرمل دموعها عشان ماتعيطش.
مريلتها البني كانت مبلولة مية.
وصوابعها احمرت من كثر الدعك.
جنبها، كانت الست اللي لابس الفستان الأخضر الزمردي مبتسمة، وكأن القسوة حتة من مجوهراتها اللي لابسّاها.
قالت لها: “خلصي، أنجزي. الضيوف بيسألوا المطبخ متأخر كده ليه”.
لوسيا همست: “أنا مكنش المفروض أكون هنا أصلاً”.
الست قربت منها أكثر.
”ده أنتِ تبوسي إيدك وش وظهر إني خليتك تقعدي هنا اصلاً”.
في اللحظة دي، ظهر أليخاندرو عند الباب.
المطبخ كله سكت.
الست اللي بالفستان الأخضر لفت بسرعة.
”أليخاندرو! إيه اللي جابك هنا؟”
بص على مريلة لوسيا المبلولة.
وبعدين على كومة المواعين.
وبعدين على الضيوف اللي واقفين يتفرجوا من عند الباب.
”إيه اللي بيحصل هنا ده؟”
الست ضحكت بتوتر.
”ماتكبرش الموضوع، لوسيا هي اللي كانت عايزة تساعد، بتحب تحس إن لها لازمة”.
أليخاندرو قرب من لوسيا.
”بصيلي هنا.. أنتِ كنتِ عايزة تبقي هنا فعلاً؟”
لوسيا رفعت عينيها المليانة دموع براحة.
”قلت لهم إني مجرد الشغالة”.
أليخاندرو لف للست اللي لابس الأخضر.
استدار أليخاندرو نحو المرأة ذات اللون الأخضر، وعيونه بتطق شرار، وقال بصوت واطي يرعب: “الشغالة؟ لوسيا هي صاحبة البيت ده زيها زيي بالظبط”.
الست وفستانها الزمردي وشها جاب ألوان، والضحكة بقيت باهتة على شفايفها وهي بتحاول تلطف الجو: “أليخاندرو حبيبي، أنت فاهم غلط، إحنا كنا بس…”
”برة”، قطع كلامها بكلمة واحدة، حاسمة وزي السكينة.
بصت حواليها للضيوف اللي واقفين يتفرجوا، ومسكت فستانها وطلعت تجري وهي هتموت من الكسوف.
أليخاندرو لف تاني للوسيا، مديش أي اهتمام للناس اللي بتبص عليهم، ومد إيده واخد الحلة الثقيلة من بين إيديها وحطها على الرخامة. قلع جاكيت بدلته الغالي ورماه على الكرسي من غير ما يفكر، وطلع منديل قماش من جيبه وبدأ ينشف إيديها الحمرا براحة حنينة قوي.
”أنا آسف”، قالها وهو بيبص في عينيها الدامعة، “آسف إني سبتك للحظة واحدة مع الأشكال دي”.
لوسيا اتنهدت، والدموع اللي كانت حابساها نزلت أخيراً: “أنا كنت خايفة أبوظلك الحفلة”.
أليخاندرو ابتسم ابتسامة خفيفة ودافية، وأخد المريلة المبلولة من عليها ورماها في الأرض: “تتحرق الحفلة على اللي فيها. يلا بينا نمشي من هنا”.
مسك إيدها وشدها وراه، ومشي بيها وسط الضيوف اللي كانوا بيوسعوا لهم بطريقة كلها زهول، وسابوا المطبخ والمواعين والحفلة كلها ورا ظهرهم.
ركبوا العربية، وأليخاندرو دور الموتور وطلع بيها بأقصى سرعة وكأنه بيهرب بيها من العالم كله. طول الطريق لوسيا كانت باصة من الشباك، ودموعها بتنزل في صمت، وإيديها لسه معلّمة بالحمَار من كثر الدعك والمية الساقعة.


