ابن ينتظر موت امه حكايات صافي هاني

​طارق وشه اتقلب، وبصلي بصدمة: “أنا؟! اشتغل فرد أمن في شركتي يا أمي؟!”

​قمت وقفت بكل شموخ، وبصيت في عينيه وقلتله: “ده اللي عندي.. يا إما الشارع والسجن بتهمة التزوير والنصب.. قدامكم دقيقة واحدة، تمضوا على العقود دي وتعيشوا بلقمتكم، يا إما هرفع السماعة دلوقتي وأخلي المحامي يكمل إجراءات الحبس!”

​مروة خطفت القلم وهي بترعش: “هنمدي.. هنمضي يا طنط! يبوس إيدك بلاش السجن!” وطارق مضى وراه وهو بيبكي دموع الندم اللي مش هينفعه.

​خدت منهم العقود، وبصيت لطارق للمرة الأخيرة وقلتله: “يوم الجمعة الجاي.. مفيش غدا.. ومفيش أم.. اخرجوا من هنا، ومشوفش وشكم غير في المواعيد!”

​خرجوا وضهرهم مكسور، عرفوا إن الأم اللي افتكروها “طيبة وهبلة”، لما بتقرر تقسى، بتقلب الطاولة على الكل.. وبقيت أنا، تريزا (تهاني)، قاعدة في مملكتي، بـ 33 مليون جنيه، وكرامتي اللي رجعتلي تمنها غالي قوي!

 

فاتت شهور على اليوم ده. وطبعاً، طارق ومروة مكنش قدامهم غير إنهم يرضخوا للأمر الواقع.

​طارق بقى كل يوم الصبح يلبس يونيفورم الأمن، ويقف على باب الشركة اللي كانت في يوم من الأيام بتاعته، يفتح الباب للموظفين اللي كانوا بيشتغلوا عنده، وينزل عينه في الأرض من الكسوف كل ما حد فيهم يبص له بنظرة شفقة أو شماتة. ومروة بقت قاعدة في الشقة القديمة، لا ليها كلمة ولا رأي، وعيالها نفسهم مابقوش بيحترموها بعد ما عرفوا إن جدتهم هي اللي عايشاهم ومنقذاهم من الشارع.

​وفي يوم جمعة، كنت قاعدة في فيلتي، لابس فستان شيك ومجبسة إيدي لسه في مراحلها الأخيرة من الفك، والمحامي أستاذ فوزي قاعد قدامي بيراجع معايا حسابات الأرباح الجديدة من عقارات إسكندرية اللي عمتي إجلال سابتهالي.

​فجأة، المحمول بتاعي رن.. بصيت على الشاشة، لقيت الرقم “طارق”.

​كنت ناوية كالعادة أكنسل، بس قلت أسمع وراه إيه. فتحت الخط وحطيته على السبيكر من غير ما أنطق ولا كلمة.

​سمعت صوت طارق وهو بيبكي بحرقة، صوته كان مكسور لدرجة تصعب على الكافر: “أمي.. أرجوكي اسمعيني.. مروة سابت البيت وطفشت، مابقيتش مستحملة العيشة دي، والعيال مابيردوش عليا.. أنا اتهديت يا أمي.. أنا جالي الضغط والسكر، والنهاردة وأنا واقف على الباب في الشمس دخت ووقعت وزمايلي نقلوني المستشفى.. الدكتور بيقول احتمالية جلطة.. أنا بموت يا أمي.. بموت ونفسي بس أسمع صوتك وتس thoseـامحيني قبل ما أقابل ربنا..”

​أستاذ فوزي المحامي بصلي وبان في عينيه الشفقة، كأنه بيقولي: “ده ابنك برضه يا ست تهاني.. والضنا غالي.”

​سكت لثواني.. افتكرت شكله وهو صغير، افتكرت سهر الليالي وتعب السنين، وافتكرت برضه سرير المستشفى والوجع والكسر والسكين اللي حطها في ضهري هو ومراته لما قالوا “الست دي بتهلوس ومخها خف ومحتاجين نزقها الزقة الصح عشان ناخد فلوسها”.

​أخدت نفس طويل، وبتنهيدة باردة زي التلج، قربت من التليفون وقلتله بصوت هادي ومفيهوش أي رعشة حنان:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *