اهلي طمعو في مالي حكايات صافي هاني

“بصوا لقيت إيه! دفتر توفير الباشا الصغير”، أختي منى قالتها وهي بتضحك وبتهز في الهوا رزمة ورق، في نفس الوقت اللي أبويا وأمي كانوا بيسقفوا لها فيه بحرارة. “شكراً يا سيدي على مصاريف كليتي!” الكل مات على روحه من الضحك إلا أنا. طلعت تليفوني وعملت مكالمة واحدة سريعة. بعد عشر دقائق بالظبط، كان في رزع وهبد عنيف على باب الشقة. الضحكة اختفت من على وشوشهم في ثانية. الفلوس اللي أهلي افتكروها “رزق وجالهم سايق الهبل” كانت هتتحول لأكبر مصيبة وغلطة في حياتهم.
الصالة اتقلبت ضحك وهيستريا أول ما منى رفعت الملف فوق دماغها. بعد نص ساعة بالظبط، كانت قوات الأمن المركزي والشرطة هتكسر باب الشقة وتدخل علينا.
”شوفوا لقيت إيه”، منى قالتها بنبرة متقاطعة وهي بتغني: “تحويشة أخويا الصغير”.
كانت بتهز رزمة الورق في الإيد زي ما يكون كاس بطولة.
”شكراً يا حبيب أخوك إنك هتتكفل بمصاريف كليتي الخاصة”.
وش أبويا وأمي نور من الفرحة.
نور بجد وعينيهم لمعت.
أبويا ساند ضهره لورا على الكرسي وقال: “يلا، أهو الأخوات لبعضها والدم ما بيبقاش مية”.
أنا كنت مبحلق في الملف.
كل ورقة جواه مسروقة من مكتبي المقفول بمفتاح.
كل ورقة من دول وراها سنين من طفح الدم والشغل.
سنين من التضحية.
وسنين من الأسرار والشغل الثقيل.
سفرة العشا كانت مليانة قرايب وعمام وخالات، كلهم جايين يباركوا لمنى عشان اتقبلت في جامعة عريقة وغالية.
محدش فتح بقه وقال إنها يا دوب نجحت بالعافية وبمقبول.
محدش جاب سيرة إنها شالت مواد وضيعت تلات ترمات قبل كده.
محدش اتكلم عن آلاف الجنيهات اللي حرقتها السنين اللي فاتت في الهوا.
بدل كل ده، كانوا بيحتفلوا بإنها “حطت إيدها” على اللي مفكرينه دفتر التوفير السريبتاعي.
أمي ابتسمت بحنان وقالت: “أختك برضه يا بني وتستاهل فرصة”.
ضحكت ضحكة واحدة.
ضحكة مكتومة وقصيرة.
”تستاهل فرصة؟”
منى لوت بوزها وبصت لي بتعالي: “يووه بقى، بلاش أنانية وحقد”.
رمت الملف على السفرة وقالت: “أنا خلاص اتفقت مع بابا، وهننقل كل حاجة الأسبوع الجاي”.
الثقة اللي كانت بتتكلم بيها كانت غريبة ومذهلة.
بس الغباء اللي هي فيه كان أغرب وأذهل بكتير.
لأن اللي في الملف ده مش دفتر توفير ولا حساب في البنك أصلاً.
ولا ليه أي علاقة بالكلام ده.
بس أنا حافظت على هدوئي تماماً.
لسنين طويلة كنت أنا “خيبة العيلة” بنظرهم.
الواد الهادي الساكت.
الممل اللي ملوش حس.
الأخ اللي بيقضي ساعات طويلة في الشغل وعمره ما حكى هو بيشتغل إيه بالظبط.
في الوقت اللي منى كانت بتاخد فيه الدلع والمدح على كل فشل بتفشله، كنت أنا بالنسبالهم شفاف، ماليش وجود.
وده كان مريحني ومناسبني جداً.
الناس دايماً بياكلوا ضرب على قفاهم من الشخص الشفاف اللي بيستهينوا بيه.
أبويا شاور عليا بصباعه وقال: “المفروض ترفع راسك وتفخر إنك بتساعد أختك وتصلح حالها”.


