اخد الحق حكايات صافي هاني
قامت من على مكتبها، راحت لسرير يوسف الصغير اللي في ركن المكتب، شالته وبوسته من خده، وفتحت الشباك عشان تدخّل شمس يوم جديد ونضيف.. يوم مفيش فيه مكان للناس المزيفة، يوم كله نجاح وأمل، وهي عارفة ومتأكده إن الفايل الأسود مكنش مجرد ورق، ده كان شهادة ميلادها الجديدة اللي صنعتها بنفسها.
مرت السنين وبقى عمر يوسف خمس سنين، ولد زي القمر، ذكي وشبه مروة في كل حاجة، خصوصاً في نظرة عينيها القوية والواثقة. مروة مكنتش مجرد أم عادية، دي بقت صاحبة براند ديكور معروف جداً وبتتطلب بالاسم في أكبر المشاريع، وبقت قدوة لستات كتير بيسمعوا عن قصة نجاحها وكفاحها.
في يوم، كانت مروة معزومة في حفلة تكريم لرواد الأعمال الناجحين في فندق كبير. كانت لابسة فستان أسود شيك وبسيط، وواقفة بتتكلم مع شركاء عمل وهي مبتسمة وفخورة باللي وصلت له.
وهي بتلف بوشها، عينها جت على راجل واقف بعيد عند بوفيه المشروبات.. كان لابس قميص قديم شوية، ووشه مليان تجاعيد وعلامات الهم والسن، وضهره محني ومطفي تماماً.
دققت في ملامحه.. كان شريف.
شريف كان شغال في الحفلة دي تبع شركة تنظيم وتوريد أغذية، يعني واقف يخدم على المعازيم ويجهزلهم الحاجه. شريف لف ووشه جه في وشها، أول ما شافها، الكاس اللي في إيده كان هيقع من الصدمة. بص لفستانها، لثقتها، وللناس المهمة اللي واقفة حواليها وبتتمنى كلمة منها.
حاول يدير وشه ويمشي بسرعة من كتر الكسوف، بس مروة مفيش أي حاجة جواها اتهزت. مكنش في قلبها ليه ولا حتى غل أو رغبة في الشماتة، كان مجرد شخص غريب تماماً، نقطة سودا وانمحت من حياتها من زمان.
سابت الحفلة بدري ورجعت بيتها، دخلت أوضة يوسف وهو نايم، بوسته في راسه وغطته كويس. وبعدها راحت لمكتبها، فتحت الدرج وبصت للفايل الأسود اللي لسه محتفظة بيه.
ابتسمت وقفلت الدرج براحة؛ الفايل ده خلاص أدى مهمته وزيادة، ومبقاش مجرد وسيلة حمت بيها نفسها، ده بقى الدرس اللي علمها إن الوجع مش نهاية العالم، وإنه ساعات بيكون أول خطوة في طريق البداية الحقيقية.
وعدت سنين تانية، ويوسف كبر وبقى شاب زي الورد، دخل كلية الهندسة عشان يكمل مسيرة نجاح أمه ويساعدها في شركتها اللي بقت واحدة من أكبر شركات المقاولات والديكور في البلد. مروة شعرها بدا يظهر فيه خصلات بيضا، بس الخصلات دي مكنتش علامة سن، دي كانت علامة وقار وانتصار، ووشها لسه محتفظ بضحكته الصافية اللي مبتفارقوش.
في يوم تخرج يوسف، كانت القاعة زحمة، وصوت الأغاني والزغاريط مالي المكان. مروة كانت قاعدة في الصفوف الأولى، عينيها بتلمع بفخر وهي شايفه ابنها طالع على المسرح بزي التخرج عشان يستلم شهادته وهو طالع الأول على دفعته.
يوسف أول ما مسك المايك عشان يقول كلمة الخريجين، ساب الورق اللي مكتوب، وبص لأمه وسط الناس كلها وقال بصوت قوي ومؤثر: “النجاح ده مش بتاعي لوحدي.. النجاح ده لست عظيمة، شالتني وأنا حتة لحمة حمراء عندها اتناشر يوم، حاربت الدنيا كلها ومستسلمتش عشان تطلعني راجل.. شكراً يا أمي، إنتي البطل الحقيقي للحكاية دي.”


