مرات ابني في المطار حكايات صافي هاني
أول ما وصلنا فيلا العيلة، السواق نزل الشنط وطلبت من إيمان تدخل تقعد في المضيفة وترتاح هي والولد. دخلت الصالون الكبير، ولقيت بهيرة قاعدة بتشرب قهوتها بكل برود ولا كأنها لسه كاسرة بخاطر يتيم وأمه الصبح.
أول ما شافتني، الفنجان اتهز في إيدها ووشها جاب ميت لون. وقفت وهي بتبتسم مجاملة وقالت: “رأفت! حمد الله على السلامة يا خويا.. مش قلت هتيجي بكرة؟”
مشيت لحد ما وقفت قدامها بالظبط، وصوتي كان واطي بس يزلزل المكان: “كنت عايزاني آجي بكرة عشان تلحقي تطردي لحمي ودمي من بيتي يا بهيرة؟”
ارتبكت وبدأت تجيب يمين وشمال: “يا رأفت افهمني، أنا بعمل كده عشان مصلحة العيلة وسمعتنا وسط الناس، البنت دي مش من توبنا ولا تليق بمقامنا، والولد…”
ما خليتهاش تكمل الكلمة، وضربت بكفي على التربيزة هديت الصالون كله: “اخرسي! مقام إيه وسمعة إيه اللي بتتكلمي عنهم؟ إيمان دي جابتلي حفيد شايل اسم ابني الشهيد، ومقامها من مقامي. اللي عملتيه ده لا يرضي ربنا ولا فيه ريحة الإسلام ولا الأصول. أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ البيت ده بيتي، والمال ده مالي، والكلمة هنا كلمتي أنا!”
وشها اسود من الكسوف والخوف، ورجعت خطوة لورا.
شاورت لها على الباب وقلت لها بكل حسم: “زي ما طردتي مرات ابني الصبح بالظبط، اتفضلي لمي حاجتك. أنتِ مالكيش قعاد في بيتي بعد النهاردة. خطوة واحدة بره الفيلا دي، وترجعي بيتك.. عشان تتعلمي إزاي تحترمي بيوت الناس وتتقي الله في الأيتام.”
وقفت مكانها مصدومة ومش مصدقة إن أخوها الكبير بيطردها، بس أنا خلاص قفلت كتاب الحنية مع اللي ميرحمش. ناديت على الشغالة وقلت لها بصوت جهوري: “أكرمي ستك إيمان، وجهزي لها الجناح الكبير بتاع أحمد الله يرحمه، وقولي لها إن صاحب البيت رجع، ومحدش عاش ولا كان اللي يكسر بخاطرها في وجودي.”
اعرف إيه اللي حصل بعد كده هنا 👇
خرجت بهيرة من الصالون وهي بتجر أذيال الخيبة، ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة، وعرفت إن الله حق وإن الظلم آخرته وحشة. رحت المضيفة لإيمان، لقيتها قاعدة وضامة زين لحضنها ودموعها لسه منشفتش. أول ما شافتني داخل، وقفت احتراماً وهي بتبص لي بقلق وخوف من اللي جاي.
قربت من حفيدي، وطيت عليه وبست دماغه وهو نايم، وبعدين بصيت لإيمان وقلت لها بنبرة كلها حنان وأصول: “اقعدي يا بنتي وارتاحي. البيت ده بيتك، ومكانك فوق راسي من فوق. طول ما أنا عايش على وش الدنيا، مفيش مخلوق يقدر يمس شعرة منك أو من ابن الغالي أحمد الله يرحمه. إحنا ناس بنعرف الأصول وبنخاف ربنا، واليتم اللي في عين زين ده في رقبتي ليوم الدين.”
إيمان اتهدّت وكأن جبل انزاح من على صدرها، وبدأت تدعي لي وعينها مليانة دموع الفرحة والراحة بعد الرعب اللي عاشته الصبح. طلبت من الشغالة تطلع معاهم وتساعدهم ينقلوا الشنط للجناح الكبير، ووقفت أتابعهم وأنا بحمد ربنا في سري إنه رجعني في الوقت المناسب عشان أنصر المظلوم وأقف في وش الظالم، وأثبت للكل إن الأصول والدين هما اللي بيمشوا في البيت ده، ومش هسمح لأي حد يكسر بخاطر الغلابة والأيتام طول ما فيا نفس.

