ابو ابني سابني حكايات صافي هاني

لوك ابتسم ابتسامة خفيفة، وغمض عينيه، وفي اللحظة دي.. صوت جهاز رسم القلب عمل نغمة واحدة طويلة ومستمرة. النبض وقف.
صوت الجهاز قطع حبل كل حاجة في الأوضة. النغمة المستمرة دي كانت بتعلن نهاية كل حاجة.. نهاية السبع سنين، ونهاية الوجع، ونهاية لوك نفسه.
الدكاترة والممرضات دخلوا الأوضة بسرعة، واحد منهم حط إيده على كتفي بالراحة وقال بصوت واطي: “البقاء لله.. يا ريت تخرجي بالطفل برة”.
أنا مكنتش حاسة برجلي. شلت مايلز اللي بدأ يعيط من غير ما يفهم في إيه، وخرجت من الأوضة وأنا شيفاها بتلف بيا. أول ما فتحت الباب، باتريشيا صرخت صرخة هزت الممر كله وعرفت من وشي إن ابنها الوحيد مات. فانيسا وقعت على الأرض ودفنت وشها بين إيديها وهي بتشهق من العياط.
قعدت على كرسي بعيد، وضامة مايلز لحضني وبطبطب عليه وأنا مش قادرة أنزل دمعة واحدة. الصدمة كانت أكبر من العياط.
باتريشيا سابت كل الناس وجت قعدت جمبي، مسكت إيدي المترعشة وضغطت عليها جامد. وبصوت مكسور ومبحوح قالت لي: “شكراً يا لوريل.. شكراً إنك ريحتيه في آخر لحظة.. أنا عارفة إني مكنتش الأم الطيبة معاكي، بس إنتي أثبتِّي اليوم إنك أنضف وأجدع مننا كلنا”.
بصيت لها وهزيت راسي من غير ما أنطق.
بعدها بكام ساعة، وإحنا بنخلص إجراءات المستشفى، فانيسا قربت مني. كانت باينة قزم وصغيرة ومكسورة، مفيش فيها أي حاجة من البنت اللي خطفت خطيبي يوم
فرحي. وقفت قدامي وقالت بصوت يادوب مسموع: “أنا أسفة يا لوريل.. لو كنت أعرف إن النهاية هتبقى كده..”.
قاطعتها برفع إيدي، وبصيت في عينيها بثبات وقلت لها: “الموضوع انتهى يا فانيسا.. ربنا يسامح الجميع. بس طريقي وطريقك اتقطعوا للأبد من سنة، والنهاردة الحساب اتقفل تماماً”.
أخدت مايلز في إيدي، وخرجت من باب المستشفى. المطر كان هدي، والشمس بدأت تطلع وتشق السما. ركبت تاكسي ورجعت بيتي. لأول مرة من سنة، حسيت إن الحمل التقيل اللي كان على قلبي انزاح.. لوك مشي، والوجع مشي معاه، ومفاضلش غيري أنا وابني، والمستقبل اللي مستنينا نبدأه من جديد، بس المرة دي بسلام حقيقي
عدى أسبوع على الجنازة. أسبوع كامل والبيت غرقان في هدوء غريب، بس مكنش هدوء كئيب، كان أشبه بالهدوء اللي بيجي بعد العاصفة ما بتهدأ وكل حاجة بترجع لمكانها.
مايلز كان بيسأل على أبوه من وقت للتاني، وكنت بجاوبه ببساطة إنه بقا في مكان أحسن وعند ربنا، ومبقتش أحس بالغِل أو الوجع وأنا بنطق اسم لوك قدامه.
في يوم الصبح، الباب خبط. فتحت ولقيت محامي واقف قدامي وبأدب شديد طلب يدخل عشان فيه موضوع مهم بخصوص “تركة” لوك.
قعدنا في الصالون، والمحامي طلع ملف ولبس نظارته وقال: “مدام لوريل، المرحوم لوك كان عامل وثيقة تأمين على الحياة وتنازل عن كل أملاكه ونصيبه في شركة المقاولات بتاعته من حوالي ست شهور”.
بصيت له باستغراب وقلت: “تمام، أكيد لـ فانيسا أو لولادته؟”



