ابو ابني سابني حكايات صافي هاني

​المحامي ابتسم وهز رأسه بالنفي: “لأ.. التنازل والوثيقة بالكامل مكتوبين باسم ابنكم مايلز، وحضرتك الواصية الوحيدة على الفلوس دي لحد ما يصحى السن القانوني. كمان ساب جواب مكتوب بخط إيده وطلب مني أسلمه لك بنفسي”.

​المحامي مشي وسابني في ذهول. مسكت الجواب بإيد بتترعش وفتحت الورقة. خط لوك مكنش غريب عليا، كنت حافظاه. كان كاتب:

​”لوريل.. لو بتمر الأيام وأنتي بتقري الكلام ده، هكون أنا مش موجود. من ست شهور عرفت إن عندي مرض خطير في المخ، والدكاترة قالوا لي إن أيامي معدودة وعملياتها نسبة نجاحها ضعيفة. الصدمة دي فوقتني، عرفت إن الـ 7 سنين اللي عشتهم معاكي كانوا هما الأمان الحقيقي، وإن طيشي وغلطتي يوم الفرح كانوا لعنة أنا دمرت بيها نفسي. فانيسا مكنتش حب، كانت هروب.. ولما عرفت بمرضي اتخلت عني ومبقتش مستحملاني. أنا مكنتش ببعت لك رسايل ذوق، أنا كنت بحاول أصلح اللي انكسر بس كنت خايف أواجهك. الفلوس دي حقك وحق مايلز.. سامحيني يا لوريل، وأنا بموت مطمن لأني عارف إن ابني في إيد أجدع وأحن ست في الدنيا.”

​دموعي نزلت وأنا بقرا الكلام. الغموض كله اتفك، وعرفت ليه باتريشيا كانت مرعوبة ليلتها، وليه لوك كان مستسلم للموت.. لأنه كان عارف إن نهايته قربت.

​قفلت الجواب وشلته في الدولاب. بصيت لمايلز وهو بيلعب بالمسامير واللعب بتاعته في الصالة، وضحت من قلبي.

​الماضي بكل وجعه وقسوته اتقفل واتدفن، والنهاردة أنا مش بس قوية.. أنا حرة، وببدأ حياتي بجد وأنا باصة لِقدام، ومن غير أي تدوير على اللي فات.

 

الشهور جرت بعد كده بسرعة، والحياة بدأت تاخد شكل جديد ومستقر. الفلوس اللي لوك سابها لمايلز أمّنت لنا مستقبلنا تماماً، بس أنا مكنتش من الستات اللي تقعد حاطة إيدها على خدها وتصرف من قرش مش تعبها. قررت أستخدم واصيتي على نصيبه في شركة المقاولات، وبدأت أنزل وأفهم الشغل بيمشي إزاي. نزلت وسط العمال والمهندسين، وبقيت أنا اللي بدير وبمضي العقود. الشغل سحلني وخلاني أكتشف في نفسي طاقة وقوة مكنتش أعرف إنهم عندي اصلاً.

​في يوم وأنا في المكتب، السكرتيرة بلغتني إن فيه واحدة برة عايزة تقابلني ومصممة. لما دخلت، اتفاجئت بباتريشيا.

​كانت خاسة النص، ولابسة أسود، وباين عليها العجز والكسرة. قعدت قدامي، وبصت لي بكسوف وقالت بصوت واطي: “أنا أسفة إني جيت من غير ميعاد يا لوريل.. بس وحشني.. مايلز وحشني أوي ومبقاش ليا في الدنيا دي غير ريحته من ريحة ابني”.

​شفت في عينيها رجاء حقيقي، مبقاش فيها خلاص الست المتكبرة بتاعة زمان. قمت من ورا مكتبي، وقعدت جمبها وأخدت إيدها وقلت لها: “مايلز ابنك يا باتريشيا، ودايماً بيسأل عليكي. تقدري تشوفيه في أي وقت، والبيت مفتوح لك دايماً”. الست بكت وحضنتني، وحسيت إن الحجر الأخير من طوب الماضي اتهد واتبنى مكانه سلام.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *