انتقمت منه حكايات صافي هاني

ورق الطلاق نزل على مكتبه الأزجاج قبل ما يلحق يقفل زراير بدلته.

​مراته الحامل مكانتش بتعيط في البيت.

​كانت قاعدة بتابع شاشة الموبايل، وعينيها على علامة الاستلام وهي بتتحول للون الأخضر.. كانت عارفة ومقتنعة إن الظرف ده فيه أدلة كفاية تدمره وتنهي كل حاجة.

​المندوب وصل لمكتب “نادر كمال” الساعة 9:17 في صباح يوم شتوي ساقع في وسط البلد، وكان شايل في إيده ظرف أبيض تقيل ومقفل لدرجة خلّت موظفة الاستقبال تتردد وتتفحص شكله قبل ما تمضي بالاستلام.

​مكانش شبه البوسطة العادية اللي بتيجي كل يوم.. الجوابات العادية بتوصل متبهدلة ومتكومة فوق بعضها، مخلطة بين عقود وفواتير وإنذارات قضائية ودعوات لشركات وحفلات، وهي الحاجات اللي نادر كان بيفرزها بإيد واحدة وهو بيشرب قهوته بالإيد التانية. لكن الظرف ده كان مختلف.. ورق فاخر وتقيل، ومختوم بختم أحمر رسمي، وطلب إمضاء شخصي بالاستلام. نوعية الجوابات اللي مش محتاجة تلفت الانتباه، لأن هيبتها بتفرض نفسها لوحدها.

​نادر مكانش موجود في مكتبه عشان يستلمه.

​في الساعة دي بالذات، كان لسه في فندق خمس نجوم في الزمالك، الستاير متقفل نصها، ونور الشمس يدوب بيشق طريقه عبر الملايات البيضاء.. موبايله مقلوب على سيفه على الكومودينو، والست اللي نايمة جنبه مكانتش مراته.. كانت “منة”، خطيبته اللي هرب معاها من ضغط الشغل وخد معاها إجازة.

​”منة” كانت نايمة بكتف عاري ناحية الشباك، وشعرها الأسود ناعم ومفرود على المخدة وكأنها لقطة من مجلة موضة. الأوضة كانت ريحتها مخلطة بين الإسبريسو والصابون الغالي وريحة البرفان الهادي اللي بتحطه ورا ودنها. نادر كان واقف قدام مراية الحمام بيقفل زراير قميصه بهدوء وثقة راجل مقتنع ومطمن إن حياته متقسمة ومنظمة بالمسطرة.

​الشغل في كفة..

والمتعة والانبساط في كفة تانية خالص..

ومراته الحامل اللي مستنياه في البيت عمرها ما هتقدر ولا هتجرؤ إنها تسيبه أو تبعد عنه.

​بص لشكله في المراية، وظبط ياقة قميصه التفصيل، وابتسم لنفسه برضا وغرور راجل فاكر إنه مسيطر على كل حاجة بذكائه. في سن الثمانية وتلاتين، نادر بقى من نوعية رجال الأعمال اللي مجلات الاستثمار بتحب تكتب عنهم وتوصفهم بألقاب رنانة: “صانع الصفقات”، “العقلي المدبر”، “الراجل اللي مبيخسرش”. كان شغال في شركة “الألفي وشريكه” للاستشارات الهندسية والمالية، واحدة من أكبر الشركات اللي مكاتبها كلها واجهات زجاج، وريحة القهوة فيها دايمًا حامية ومحروقة مهما كان سعرها غالي، والرجالة هناك ببدلهم الشيك وكلامهم الموزون بيتحكموا في مصير شركات تانية بجرّة قلم وبصوت كله ثقة.

​نادر كان شاطر جدًا في إنه يخلي المخاطرة تبدو وكأنها فرصة العمر.

وكان أشطر في إنه يخلّي قلة أصله وأنانيته تبان وكأنها خوف ومصلحة.

​في الناحية التانية من المدينة، وتحديدًا في شقة هادية في مصر الجديدة، كانت “إيمان” وافقة لوحدها في المطبخ، ومحضنة إيديها الـتنين حوالين مج القهوة من غير ما تدوُق منه بوق واحد.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *