ابو ابني سابني حكايات صافي هاني

بعد حوالي نص ساعة، لقيتنا واقفين قدام المستشفى العام.
جسمي كله سقع. “إحنا هنا ليه؟” سألتها وأنا بنزل من العربية وماسكة مايلز اللي بدأ يصحى ويفوق.
باتريشيا بكت لأول مرة، ودموعها نزلت على وشها المتبهدل. “لوك في العناية المركزة يا لوريل.. عمل حادثة صعبة بالعربية وهو راجع من الشغل مع فانيسا.”
سكتت لحظة وكأنها بتجمع شجاعتها عشان تقول الصدمة الأكبر: “الدكاترة قالوا إنه بيموت، ومفاضلش ليه غير ساعات.. وهو مش راضي يدخل العمليات ولا يقابل حد، وعمال يصرخ باسمك وباسم ابنه.. عايز يشوفكم ويطلب منك السماح قبل ما…”
مقدرتش تكمل الجملة وانفجرت في العياط.
في اللحظة دي، كل الوجع، والإهانة، وكسرة القلب اللي عشتها السنة اللي فاتت اختفت، ومبقاش قداي غير صورة الراجل اللي عشت معاه 7 سنين وهو بيموت. أخدت نفس عميق، وضميت مايلز لحضني، وبصيت لباتريشيا وقلت لها: “يلا بينا.. أدخلي بينا جوة”
دخلنا المستشفى، وريحة المطهرات والهدوء المرعب اللي في الممرات كان بيزود ضربات قلبي. باتريشيا كانت بتجري قدامي وهي ماسكة شنطتها، وأنا شايلة مايلز اللي كان دافن وشه في رقبتي ومخضوض من الإضاءة الأبيض القوية.
وصلنا لـ دور العناية المركزة، ولقيت فانيسا قاعدة على كراسي الانتظار. فستانها كان متبهدل دم وتراب، وبتعيط بانهيار. أول ما شافتني، وقفت وبصت لي بنظرة مكسورة، نظرة مختلفة خالص عن الابتسامة الباردة اللي ادتهالي يوم الفرح. حاولت تقرب مني وتقول حاجة، بس أنا أديتها ضهري ومبصيتش في عينيها حتى. مكنش فيه وقت للعتاب ولا الحساب.
الدكتور خرج من الأوضة وأول ما شاف باتريشيا قالها بسرعة: “هو ده ابنه؟ لازم يدخل حالاً، الحالة بتدهور والنبض بيضعف”.
باتريشيا شاورت عليا وهي بتعيط: “ودي لوريل يا دكتور.. اللي كان عايزها”.
الدكتور هز رأسه وفتح لنا الباب. دخلت الأوضة، وصوت أجهزة رسم القلب كان عالي وموتِّر. لوك كان نايم على السرير، ومتحوط بأجهزة وخراطيم من كل حتة، ووشه فيه جروح وضهر كدمات زرقا وصعبة. مكنش شبه لوك اللي أنا عشته معاه 7 سنين خالص.
أول ما سمع صوت الباب، فتح عينيه بصعوبة ولما شافني، عينه لمعت بالدموع. حاولت أكون قوية عشان مايلز ميتخضش. قعدت على طرف السرير ونزلت مايلز جمبه.
لوك مد إيده اللي كانت بتترعش وبصعوبة ولمس إيد ابنه الصغير، وقال بصوت مبحوح ويادوب مسموع: “سامحيني يا لوريل.. أنا أسف.. الغمامة اللي كانت على عيني راحت.. مكنتش شايف قيمتك وقيمة ابني.. أنا ضيعت نفسي وضيعتكم”.
مايلز مسك صباع أبوه وقال ببراءة: “بابا.. إنت تعبان؟”
دموع لوك نزلت، وبصلي ورجايا بعينيه: “قوليلي إنك مسمحاني يا لوريل.. عشان أمشي وأنا مرتاح.. أرجوكي”.
بصيت لوشه المتبهدل، واكتشفت إن الوجع اللي كان جوايا ناحيته مات، وحل محله شفقة وحزن على نهايته. أخدت نفس طويل، ولمست إيده التانية وقلت له بصوت هادي: “مسمحاك يا لوك.. ربنا يسامحك ويهون عليك”.



