التؤام حكايات علي ابو الدهب
بصيت لأمها اللي كانت بتعيط بجد، واهتديت لقول الله تعالى: «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ».
قلت لهم: “أنا هتنازل عن قضية الشروع في القتل.. عشان خاطر شيبتك يا أم بسمة، وعشان أخوكي الراجل المحترم اللي ملوش ذنب في قلة رباية أخته. بس قضية السرقة هتفضل شغالّة، ولازم تاخد حكم وتتسجن ولو كام شهر.. عشان تتعلم إن الله حق، وإن الكرسي المتحرك اللي زقته بقلة أصل، كان ممكن يوديها المشنقة”.
نهاية البداية
أهلها وافقوا وهم بيبوسوا على راسي من كتر الفرحة إن بنتها نجت من حكم مؤبد. وبسمة اتأدبت، وأخدت حكم مخفف بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ في السرقة بعد تنازلنا عن الباقي، بس الفضيحة اللي عاشت فيها هي وأهلها كانت أكبر من أي سجن. اتطردت من شغلها، والمنطقة كلها بقت تشاور عليها بـ “الحرباية”.
بعد كام شهر.. الجبس اتفك من عليا، ورجعت أمشي على رجلي تاني بفضل ربنا ودعواتي. وحازم؟ حازم اتعلم الدرس الأكبر في حياته: إن مش كل وش بيضحك بيكون نضيف، وإن قلب الأم دايماً دليله.. ومبيكدبش أبداً.مرت سنة كاملة على الحادثة دي.. سنة غيرت فينا حاجات كتير.
الحمد لله، قمت من على الكرسي المتحرك ووقفت على رجلي تاني، صحيح بِمشية تقيلة شوية وفيها زكة بسيطة بتفكرني باللي حصل، بس النصرة اللي ربنا نصرني بيها كانت مخلياني حاسة بخفة في قلبي وكأني بطير. حازم اتغير تماماً، مابقاش يسيبني لحظة، وبقى يسابقني في الخدمة، وكأنه بيعوضني عن كل ثانية شك فيها في كلامي.
وفي يوم جمعة، كنا قاعدين بنفطر سوا، ولقيت حازم باصص في طبقه ومتردد، وعمال يلف ويدور في الكلام.
بصيت له وابتسمت: “قول يا حازم.. في إيه يا بني؟ شكلك وراه حكاية”.
حازم رفع عينه وبصلي بخجل: “أمي.. في بنت معايا في الإدارة في الشغل، بقالنا كذا شهر بنتعامل، ومحترمة جداً.. بس أنا.. أنا بقيت بخاف يا أمي، بقيت بحس إن كل الوشوش بتخدع، وخايف أكرر نفس الغلطة”.
ضحكت من قلبي وطبطبت على إيده: “يا حبيبي، أصابعك مش زي بعضها. وبعدين، إنت نسيت إن معاك رادار؟ المرة دي أنا اللي هاجي معاك وأشوفها، وقلب الأم مبيخيبش”.
المقابلة.. ونظرة “الرادار”
فعلاً، رتبنا ميعاد ورحنا نزور أهل البنت، واسمها “أمل”. من أول خطوة دخلت فيها بيتها، عيني كانت بتراقب كل تفصيلة.. طريقة كلامها مع أمها، ضحكتها، حتى نظرات عينيها وهي بتقدم لنا الشربات.
أمل كانت واضحة، مكنش فيها المصنعة ولا الخبث بتاع بسمة. كانت بتتكلم ببساطة، ولما عرفت بظروف رجلي وصعوبة حركتي، من غير ما تتكلم كتير، لقيتها بتعدل لي المخدة ورا ضهري بحنان حقيقي، مش عشان لقطة قدام حازم، لأن حازم أصلاً كان بيتكلم مع باباها ومكنش باصص علينا.
لما رجعنا البيت، حازم قعد جمبي على أعصابه: “إيه يا أمي؟ طمنيني.. الرادار قال إيه؟”



