التؤام حكايات علي ابو الدهب
المكالمة الصادمة
كنت واقف في قاعة المؤتمرات، قدامي ترابيزة مليانة مستثمرين، وتليفوني الشخصي بدأ يرن ورا بعضه من غير ما يفصل.
الرقم كان بتاع مستشفى “سانت ماري” المركزي.
عقدت حواجبي ورديت.
جاني صوت الدكتور، وكان بيتكلم بسرعة ولهفة خلت نفسي يقف:
“أستاذ إسكندر، مدام وفاء في غرفة العمليات بتولد حالا!”
أنا اتجمدت في مكاني.
قلت بصوت مبحوح وميدوب مسموع: “أكيد في غلط في الاسم.. مراتي مبتحملش”.
حصل سكوت لثواني على الخط.. بعدين الدكتور قال: “مفيش غلط يا فندم، المدام وفاء حامل في توأم ثلاثي، وحالتها حرجة جداً، لازم تيجي هنا فوراً”.
حامل في توأم ثلاثي؟!
الكلمتين دول نزلوا على دماغي زي القنبلة.
الأصوات اللي في القاعة اختفت.. الإضاءة، الشاشات، العقد اللي بملابين الدولارات اللي قدامي.. كل ده اتمسح من عيني.
مبقاش في ودني غير صوت وفاء من خمس سنين وهي بتبكي في المطبخ وبتقولي:
“إسكندر.. لو في يوم عوزت تسيبني عشان مش هقدر أجيبلك طفل، أنا مش هلومك”.
يومها، أخدتها في حضني ووعدتها إن ده عمره ما هيحصل.
والنهاردة.. أنا الشخص اللي ساب ورق الطلاق على المكتب ومشي!
جريت برا قاعة المؤتمرات، وطلبت طيارتي الخاصة، وقلت للطيار يطلع فوراً على البلد. طوال الرحلة، إيدي كانت بـ تترعش لدرجة إني مش عارف أمسك كباية مية.
كيف حصل ده؟!
جوازنا كان بارد وميت من شهور، مبنتكلمش، بنشارك نفس البيت والاسم والماضي بس، لكن كنا زي غريبين عايشين في بيت واسع.
بس ورا كل الأسئلة دي، كان في خوف واحد بياكل قلبي أكتر من الشك..
خوف من إن وفاء تكون مرت بكل ده لوحدها!
لوحدها في الحمل..
لوحدها في كل زيارة دكتور..
لوحدها وهي بتواجه المخاطر..
ولوحدها لما شافت ورق الطلاق اللي سبتهولها!
في الممر الضيق #حكايات_علي_ابوالدهب
لما وصلت المستشفى، ممر الولادة كان منور بزيادة ويوجع العين. لقيت والدتي وقرايبي ومساعدي واقفين ووشوشهم مخطوفة وقلقانة.
مبصتش لأي حد فيهم..
سألت بس: “وفاء فين؟”
خرج دكتور بالطو الأبيض وقرب مني وأخدني على جنب.
قال لي بهدوء وحذر: “أستاذ إسكندر، أنت كنت عارف إنها حامل في تلات توائم؟”
هزيت رأسي بالنفي.. زوري كان ناشف ومش قادر أتنفس.
الدكتور اتنهد وقال:
“الوضع خطير جداً. جسم المدام كان ضعيف وتعبان، وشيل تلات أطفال مع بعض خلا الأمور معقدة وصعبة. في فترة من الفترات اقترحنا عليها نضحي بطفل عشان نخفف المخاطر، بس هي رفضت تماماً وقالت مستحيل أفرط في أي واحد فيهم”.
برقت عيني وقلت بصوت واطي: “هي كانت عارفة؟! من إمتى؟”
الدكتور بص لي بنظرة مقدرتش أفهمها وقال: “من بدري.. كانت دايماً بتيجي كشوفاتها لوحدها. وكل مرة كنا بنسألها، كانت بتقول جوزي مسافر في شغل كتير ومش عايزة أشغله وأقلقه”.
”مش عايزة أشغله!”
الجملة دي نزلت عليا أشد من أي كرباج.
في الوقت اللي كنت بهرب فيه من بيتي وجوازي ورا سفريات الشغل والاجتماعات، وفاء كانت شايلة في بطنها المعجزة اللي ياما دعينا بيها سوا!

