صدمه 2 حكايات صافي هاني

​كان باهتاً، ذابلاً، وكأنه كبر عشر سنوات في ليلة واحدة. كان لوحده، مفيش جيهان، ومفيش الحراسة والمنظرة بتاعة كل يوم. دخل وعيونه في الأرض، وحط شنطة أوراقه على المكتب وقعد وهو بيترعش.

​طارق مرر له القلم والأوراق بنظرة حادة: “اتفضل يا أستاذ كريم. التنازل الشامل عن حصتك في شركة الشحن لصالح سيادة العقيد وبناتك، والتنازل عن فيلا التجمع، وإقرار موثق بإن كل الحسابات البنكية اللي تم سحب مبالغ منها هترجع بالكامل. وجنبها قسيمة الطلاق.”

​كريم بص للأوراق، وبصلي بنظرة رجاء أخيرة: “إلهام.. إحنا بينا عشرة عمر.. مش هتبقالي على أي حاجة؟ أنا هبقى في الشارع.”

​بصيت له بكل برود وقلت له: “العشرة دي إنت اللي دفنتها تحت رجلي الست اللي لبستها وسامي. إنت مكنتش هتبقالي على شرفي العسكري ولا على اسمي لو المخابرات أو الأموال العامة حطت إيدها على صفقاتكم المشبوهة. امضي يا كريم.. عشان القلم اللي في إيدك ده هو الحاجة الوحيدة اللي حامياك من إنك تبات في سجن طرة النهاردة.”

​مسك القلم وإيده بتترعش، وبدأ يمضي.. ورقة ورا ورقة. كل إمضاء منه كان بيمحي سنة من الكدب والخيانة اللي عشت فيهم وأنا مغمية عيني.

​فجر جديد

​بعد ساعتين، خرجت من مكتب المحامي ومعي كل الأوراق الرسمية الموثقة. كريم مشي في طريقه وهو مكسور، وأنا مشيت في طريقي.

​رحت على بيتي في التجمع. فتحت البوابة الحديد الكبيرة بنفسي. عم محمد البواب جرى عليا وشال الشنطة وهو مش فاهم حاجة بس حاسس إن الست دي رجعت مكانها الطبيعي.

​دخلت الفيلا.. البيت كان فاضي وهادي. دخلت أوضتي، قلعت البدلة العسكرية بوقار، وفتحت الدولاب وطلعت علبة قطيفة قديمة. حطيت فيها وسام نجمة سيناء في مكانه المخصص، وقفلت العلبة.

​قعدت على السرير وطلبت بناتي فيديو كول. أول ما الخط فتح وشفت وشوش فريدة وأودري، حسيت إن قلبي رجع يدق تاني طبيعي.

​”ماما! إنتي فين؟ بابا ماله صوته ضايع ومش مجمع؟” فريدة سألت بقلق.

​ابتسمت لهم ابتسامة حقيقية، صافية، لأول مرة من أيام، وقلت لهم بنبرة هادية كأني بنهي معركة وببدأ سلام جديد:

“بابا وماما انفصلوا يا بنات.. وكل حاجة رجعت لأصحابها. أنا في بيتنا في التجمع، ومستنياكم تيجوا عشان وحشتوني، وعشان نبدأ حياتنا الجديدة سوا.. على نظافة.”

​البنات سكتوا للحظة، بس شافوا في عيني القوة والراحة اللي دايماً بتطمنهم. ومن اليوم ده، عرفت إن الهزيمة مش إنك تتخان.. الهزيمة إنك تقبل تعيش في الخيانة. وأنا، العقيد إلهام علام، عمري ما هقبل بالهزيمة.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *