امها المريضه 1 حكايات صافي هاني

الصدمة خلتني أرجع خطوة لورا، وبقيت أبص له بذهول وأنا مش قادرة أستوعب الكلام، لكنه كمل وهو بيمسح دمعة فرت من عينه:
“أبوكي اتمسك بأمي التانية لحد ما ماتت وأنا عيل صغير، وبعدها الدنيا لطشت بيا.. والأوشام اللي في جسمي دي كانت طيش شباب وأيام سودة قاضيتها في السجن بسبب قض..ية ظلم اتقفلت فيا.. ولما طلعت، ملقتش كلب يحن عليا ولا يسأل فيا، الكل اتبرى مني.. ما عدا ست الكل.. أمك!”
سكت شوية وبص لشبابيك المستشفى وكمل:
“أمي تحية عرفت طريقي بالصدفة من كام شهر، وبدل ما تخاف مني أو تطردني، فتحت لي بيتها ودراعاتها، وبكت في حضني وقالت لي أنت ريحة الغالي.. ولما لقتني ضايع ومش لاقي لقمة أكل، صممت أجي وأقعد تحت رجليها أخدمها، وقالت لي مفيش حد أولى بيا من ابن جوزي اللي ملوش ذنب في الدنيا.. وعشان تعوضني عن سنين الحرمان والغُلب اللي شوفتهم.”
أنا كنت واقفة مكاني، الهوا كان بارد بس حاسة بنار بتغلي جوايا، سألته بصوت مرتعش والدموع خلاص مغرقة وشي:
“طب وليه؟ ليه خبت عليا كل ده؟ ليه عيشتني في الكدبة دي وسابتني أظلمك؟”
عاشور بص في عيني مباشرة وقال بنبرة تكسر القلب:
“عشانك أنتي يا أبلة.. أمك حلفِتني على المصحف مَجيبش سيرة، قالت لي بنتي بتموت في تراب أبوها وشايفاه مفيش منه اتنين.. لو عرفت إنه كان متجوز على أمها في السر ومخبي عنها، قلبها هيتكسر وسيرته هتصغر في عينها وتكره الأيام اللي عاشتها معاه.. أمك ضحت براحتها وشالت السر التقيل ده لوحدها كل السنين دي، واستحملت كلامك ونظرات شكك فيا، كل ده بس عشان تحمي صورة أبوكي الله يرحمه قدامك وتفضلي فاكراه البطل اللي مبيغلطش.”
أول ما نطق الكلمتين دول، حسيت الأرض بتلف بيا، وركبي خانتني ومأشلتش تشيلني.. وقعت على الرصيف في حوش المستشفى وأنا بنهج ومش قادرة أخد نفسي.
أبويا؟ الراجل المثالي اللي كنت بحلف بحياته؟ طلع عنده حياة تانية وابن ميعرفش عنه حاجة؟
وأمي؟ الست المريضة الغلبانة اللي بقالها 12 سنة في السرير، تطلع بالشهامة والنظافة دي؟ تشيل سر يهد جبال، وتجيب ابن ضرتها لحد عندها وتأمنه على نفسها وتديه الحنية اللي انحرم منها، وتتحمل قسوتي عليها لمجرد إنها تحميني من الحقيقة؟
بصيت لعاشور وأنا شايفاه لأول مرة على حقيقته.. الأوشام اللي كانت مخوفاني ومخلية شكلي مقزز منها، بقيت شايفاها وجع وسنين ظلم عاشها الأخ اللي انحرمت منه.. الراجل الج..ثة اللي كنت فاكراه جاي يسرقنا، طلع هو السند الحقيقي اللي شال أمي في مرضها بحق الله وبدون مقابل.
عاشور قرب مني وبص في الأرض، ومد إيديه الموشومة وهو بيرتعش وناولني منديل وقال بصوت واطي:
“أنا مش زعلان منك يا أبلة.. وعارف إنك كنتِ خايفة على أمك.. أنا هلم هدومي وأمشي ومجرد ما تفوق هقول لها إني سبت الشغل من نفسي عشان متقلقش.. بس أرجوكي، بلاش تبيني لها إنك عرفتِ حاجة.. سيبيلها الحتة اللي باقية لها في الدنيا وهي مرتاحة إنها حمتك.”

