اختفاء بنتها ٣ حكايات صافي هاني

​جاري مسكني من دراعي وخرج بيا بره الأوضة، وأنا ببص ورايا لآخر مرة.. شفت الفتحة اللي في الحيطة، وفستان ندى الأزرق، وأحمد وهو مربوط على الأرض وراسه مرفوعة وعينيه مثبتة عليا بنظرة مش هنسى سوادها طول ما أنا عايشة.

​نزلنا الشارع، وكان مليان ناس وعربيات الإسعاف والبوليس مغرقة المكان. قعدت على الرصيف وأنا بجسمي كله بيتنفض، وجارتي حطت ملاية على كتفي وبتدعيلي، وأنا مش سامعة حاجة من الزيطة اللي حواليا.. أنا عقلي كله جوه الأوضة دي.

​بعد نص ساعة، شفت العساكر وهم نازلين وشايلين صندوق أسود طويل.. ندى خارجة من البيت لأول ولآخر مرة. وراهم نزل أحمد وهو متكلبش ورأسه في الأرض، والناس في الشارع بدأت تصرخ وتحدفه بالطوب وتشتمه، وهو مبيتكلمش.

​قبل ما يركبوه عربية الترحيلات، أحمد رفع راسه فجأة وبص في وسط الزحمة.. عينيه جت في عيني بالظبط. الابتسامة الباردة رجعت تاني على وشه، وبق بوقه بكلمات من غير صوت.. مكنتش محتاجة أسمعها عشان أفهمها.

​كان بيقولي: “أنا لسه معايا نسخة من المفتاح يا ماما.. وهجيلك”.

​العربية مشيت، والشارع بدأ يهدى، بس أنا فضلت قاعدة مكاني.. الرعب مكنش انتهى، الرعب كان لسه بيبدأ.

مرت تلات سنين على الليلة السودا دي.

​البيت اتقفل بالشمع الأحمر، وأنا نقلت عيشتي في محافظة تانية خالص، غيرت رقم تليفوني، وقطعت علاقتي بكل الناس اللي يعرفوني. اشتريت شقة صغيرة في الدور الأرضي في منطقة هادية، وحاولت على قد ما أقدر أدفن الذكريات دي.. بس الكوابيس مكنتش بترحمني. كل ما أغمض عيني، أشوف خيط الخياطة الأحمر، والفتحة اللي في الحيطة، وكلمة أحمد الأخيرة: “أنا لسه معايا نسخة من المفتاح”.

​في يوم من الأيام، كنت قاعدة في الصالة بالليل والبيت هس هس، مفيش غير صوت تكتكة الساعة. وفجأة، سمعت صوت خربشة خفيفة جاية من ناحية باب الشقة.

​جسمي كله اتنفض والدم هرب من عروقي. قمت براحة ومن غير ما أعمل أي صوت، وقربت من الباب وبصيت من العين السحرية. الشارع بره كان ضلمة كحل، ومكنش فيه حد واقف. اتنهدت وحطيت إيدي على قلبي وقلت لنفسي: “ده وهم.. إنتي مبقتيش طبيعية يا فريدة”.

​رجعت قعدت مكاني، وبدأت أهدي نفسي. لقيت عيني جت بالصدفة على شنطة إيدي القديمة اللي كنت واخداها معايا من الشقة القديمة ومفتحتهاش من يومها. مكنتش طايقة أشوف أي حاجة تفكرني بالماضي، بس لسبب ما، جالي فضول غريب أفتحها.

​فتحت السوستة وبدأت أطلع الحاجات القديمة.. بطاقتي، مناديل، وفجأة إيدي خبطت في علبة صغيرة ومربوعة مستخبية في جيب داخلي.

​طلعتها ونفضت التراب من عليها.. كانت العلبة القطيفة الحمراء! العلبة اللي الظابط طلعها من جوه الكرسي الأصفر ليلة الحادثة وكان فيها سلسلة ندى. أنا مكنتش فاكرة إني أخدتها معايا اصلاً، الظاهر الظابط سابهالي في غمرة الزيطة.

​فتحت العلبة وإيديا ب some الرعشة.. السلسلة الدهب كانت لسه جوه، وبقع الدم الناشفة معلمة على القطيفة. بس المرة دي، لمحت حاجة غريبة.. البطانة الداخلية للعلبة كانت بارزة شوية، كأن فيه حاجة محشورة تحتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *