مرات ابني اهنتني حكايات صافي هاني

أحمد رمى الورق على السرير وصرخ فيها لأول مرة من يوم ما اتجوزوا: “تطردنا؟ إنتِ كل اللي هامك الطرد؟ أمي مشيت يا منى! أمي اللي باعت شقتها ودم قلبها عشان تشتريلي البيت ده، الست اللي كانت بتخدمنا وتخدم عيالنا بقالها تلات سنين، سيبناها تاكل بواقي الأكل ومشينا! أنا وبصيت في الأرض وسكت.. أنا اللي عملت في نفسي كده!”
العيال الصغيرين صحيوا على صوت الزعيق، ودخلوا الأوضة وهم بيفركوا في عينيهم. مروان بص لأحمد وقال ببراءة: “بابا.. هي تيتة هدى راحت فين؟ أنا دخلت أوضتها عشان أبوسها قبل ما أنام ملقتهاش، وهدومها مش موجودة.”
أحمد دمعته نزلت، وخد ابنه في حضنه ومبقاش عارف يقوله إيه. هيقوله إحنا كسرنا بخاطرها؟ هيقوله عاملناها كأنها غريبة لحد ما طفشناها؟
في الوقت ده، كانت هدى قاعدة في تاكسي، باصة من الشباك على شوارع القاهرة والهوا الساقع بيخبط في وشها. كانت رايحة لبيت أختها اللي عايشة لوحدها، والي استقبلتها بالأحضان من غير ما تسأل عن أي تفاصيل. لأول مرة من تلات سنين، هدى حست إن ضهرها مش وجعها، وإن النَفَس اللي بتتنفسه خفيف ومش كاتم على قلبها.
طلعت تليفونها، لقت أكتر من تلاتين مكالمة فايتة من أحمد، ورسايل كتير من منى كلها بتبدأ بـ “يا طنط معلش إحنا مكانش قصدنا”. هدى ابتسمت ابتسامة هادية ورايقة، وعملت للرقمين “بلوك”.
قفلت التليفون وحطته في شنطتها، وبصت لأختها وقالت: “اعمليلنا بقى كوبايتين شاي بنعناع يا أختي.. بقالي كتير ماشربتش شاي ومزاجي رايق.”
وفي الشقة الكبيرة، قعد أحمد ومنى في الصالة، البيت كان واسع وضلمة، والصمت فيه مرعب.. المرة دي، هما اللي كانوا قاعدين قدام بواقي العشا الفخم، بس مكانش ليهم نفس يدوقوا لقمة واحدة، ومستنيين اللحظة اللي الباب فيها يتفتح، أو المحامي يتصل عشان يبلغهم بقرار “صاحبة البيت”.
عدى أسبوع كامل.
أحمد ومنى عايشين في كابوس، الحياة في البيت اتقلبت 180 درجة. مفيش لقمة تتاكل، الهدوم متلتلة في الغسيل، العيال بيصحوا للمدرسة متبهدلين، والبيت اللي كان دايماً بيبرق ورياحته نضافة، بقى كئيب ومكركب. بس كل ده كوم، والرعب من اللي جاي كوم تاني.
منى مكانش وراها سيرة غير: “يعني إيه عاملة بلوك؟ دي ناوية على إيه؟ كلم المحامي بتاعها يا أحمد، شوفها هتعمل إيه في الشقة!”
أحمد كان قاعد على الكنبة، دقنه طولت، وعينه دبلانة من قلة النوم. بص لمنى بقرف وقالها: “المحامي كلمني النهاردة الصبح يا منى.. ارتاحي.”
منى وقفت فجأة ولهفتها باينة: “قالك إيه؟ هتنازل؟ ولا هنشتريها منها؟”
أحمد ضحك ضحكة مكسورة فيها وجع الدنيا كله: “تتنازل؟ أمي بعتتلي رسالة مع المحامي.. بتقولنا قدامكم بالظبط شهر واحد، تلموا فيه حاجتكم وتفضوا الشقة، عشان هتعرضها للبيع، وكل واحد ياخد حقه.. هي هتاخد فلوس شقتها القديمة وأرباحها، والباقي -لو اتفضّل باقي- هتديهولي.”



