مرات ابني اهنتني حكايات صافي هاني

ولميت حاجتي الخاصة بس.
صور فرحي القديمة.
السبحة بتاعتي.
كتبي.
ماكينة القهوة اللي جبتها من مطبخي القديم.
واللحاف اللي أمي كانت مخيطاهولي بإيدها.
حاجات صغيرة باقية مني ومن روحي بعد كل التجاهل ده.
على الساعة 11:28 بالليل، بصيت بصة أخيرة على الأرضيات اللي فركتها، والحيطان اللي ساعدت في دهانها، والمطبخ اللي خدمت فيه الكل ونسيت نفسي.
قفلت باب الشقة ورايا.
ولأول مرة من تلات سنين، خدت المفتاح معايا ومشيت.
عشان البيت ده لسه بيتي وباسمي أنا.
بعد كام ساعة، رجعوا وهم بيضحكوا ومهيصين.
أحمد نده عليا مرة.
وبعدين نده تاني.
منى طفت الأنوار وحست فجأة إن فيه حاجة مش مظبوطة.
باب أوضتي كان مفتوح على الآخر.
الدولاب فاضي مفيش فيه قشاية.
الكومودينو فاضي تماماً.
وعلى مخدة أحمد، تحت النور الهادي اللي جاي من الطرقّـة، كان الظرف مستني مكانه؛ الظرف اللي هيقلب فرحتهم ولمتهم الليلة دي كلها لسكوت تام وصدمة.
أحمد فتح الظرف وإيديه بتترعش، ومنى واقفة وراه بتبص من فوق كتفه والابتسامة اختفت من على وشها تماماً. أول ما عينه وقعت على الأوراق الرسمية، وشه جاب ميت لون، والضحكة اللي كانت مالية البيت اتمسحت في ثانية.
كانت عقود ملكية البيت.. البيت اللي هما عايشين فيه وفاكرين إنهم أصحابه، لسه متسجل رسمي باسم “هدى”.
منى برقت وعينها وسعت من الصدمة وقالت بصوت واطي ومخطوف: “أحمد.. إيه ده؟ مش إنت قلت لي إنك نقلت الملكية باسمك من زمان؟”
أحمد ما ردش، كان مذهول وهو بيقرأ الرسالة اللي سبتهالهم جنب الظرف. كلامها الناشف والموجوع كان بيجلده، وكل حرف فيها كان بيفكره بقد إيه كان ندل مع أمه عشان يرضي مراته. صوته طلع مخنوق وهو بيقول: “أمي مشيت يا منى.. أمي سابت البيت.”
منى سكتت خالص، ومابقتش عارفة تنطق، وبصت للسرير الفاضي والدولاب المفتوح، ولأول مرة تحس بالخوف بجد. مكانش خوف على حماتها، كان خوف على مصلحتها وعلى السقف اللي مداريها، لأنها أدركت في اللحظة دي إن الست اللي كانت بتعاملها كأنها “خدامة” في البيت، هي في الحقيقة صاحبة البيت كله، وبكلمة واحدة منها تقدر ترميهم في الشارع.
أحمد مسك تليفونه وقعد يتصل بأمه.. مرة، واتنين، وتلاتة، والعشرة.. والتليفون بيدي جرس ومحدش بيرد.
البيت رجع يبرد تاني، بس المرة دي الصمت مكانش بيوجع هدى.. الصمت كان بيخنق أحمد ومنى وهم واقفين في وسط الصالة الشيك، مش عارفين بكرا شايلهم إيه، وبقوا هما اللي حاسين إنهم “زيادة” وملهمش مكان.
منى قعدت على طرف السرير، ووشها باهت، وبدأت تفرك في إيديها بتوتر. الفستان الأحمر الشيك اللي كانت متباهية بيه من كام ساعة بس، بقى شكله خانقها، والترقية الكبيرة اللي كانت طايرة بيها في السما اتمحت في ثانية قدام الورقة اللي في إيد أحمد.
بصت لأحمد وقالت بصوت هادي ومرعوب: “طب والعمل؟ كلمها تاني.. كلم خالك.. كلم أي حد يعرف هي راحت فين! إحنا مش هنقعد في البيت ده وإحنا على كف عفريت.. دي ممكن تطردنا في أي لحظة!”


