بعد غربه وشقي حكايات صافي هاني

​سبتهم ثواني، ودخلت من الباب الجواني على الصالة الكبيرة.. الحفلة كانت شغال والمزيكا مغطية على كل حاجة.. أول ما خطيت جوه بشنطة سفري وهدومي اللي بانت عليها بهدلة السفر، المزيكا وقفت فجأة.. والكل سكت وبصوا عليا.

​أمي أول ما شافتني، وشها جاب ألوان، والشرقاوية اللي في إيدها كانت هتقع.. قربت عليا وهي بتحاول تبتسم ابتسامة مزيفة وتقول:

“إيثان! حبيبي.. جيت إمتى؟ ومقولتش ليه عشان نستقبلك في المطار؟!”

​وأختي كلير وقفت متنحة ومش عارفة تنطق.

​بصيت لأمي بكل قسوة وقولت بصوت عالي سمعه كل الموجودين:

“جيت عشان أشوف الفلوس اللي كنت ببعتها كل شهر بتتصرف فين.. جيت عشان أشوف البيت اللي بنيته طوبة طوبة ودم قلبي فيه، وأنتم عايشين فيه ملوك، ومراتي وابني رمينهم ورا البيت بياكلوا من الزبالة!”

​المعازيم كلهم بدأوا يتهامسوا ويبصوا لبعض، وأمي بدأت تتلعثم وتغير الكلام:

“أنت فاهم غلط يا حبيبي.. دي مايا هي اللي اختارت تقعد هناك.. هي مش وش عز!”

​زعقت فيها لأول مرة في حياتي وقولت:

“بس بقى! كفاية كدب لحد هنا.. خمس سنين بتغفليني وتقوليلي في الكوافير وبتتسوّق، وأنتم مجوعينهم ومبهدلينهم.. الحفلة دي تخلص حالا، وكل واحد بره بيتي!”

​المعازيم بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني وهم مكسوفين من المنظر.. بصيت لأمي وأختي وكلير وقولت لهم ببرود مرعب:

“البيت ده باسمي.. ومعاكم لحد بكرة الصبح، تاخدوا كل هدمة ليكم وتطلعوا بره.. ومن هنا ورايح، مفيش سنت واحد هيدخل جيبكم.. والفلوس اللي سرقتوها مني ومن عيالي، هتحاسبوني عليها قرش قرش”.

​لفيت ضهري ليهم ورجعت المطبخ لمايا وإيثان.. أخدتهم في حضني وطلعت بيهم بره القصر ده خالص، ورحنا على أقرب فندق.. قعدت معاهم، وأكلت ابني اللي كان بياكل بنهم، ووعدت مايا إن الشقى والغربة انتهوا، وإن اللي جاي كله هيبقى تعويض ليهم عن كل يوم عاشوه في عذاب.

 

بعد ما روحنا الفندق، قعدت باصص لمراتي وابني ومش مصدق إن دول اللي سبتهم من 5 سنين.. إيثان كبر بس جسمه ضعيف وهدومه دبلانة، ومايا عينيها كانت مطفية تماماً وفيها خوف مالي قلبي وجع.

​مسكت إيدها وقولت لها: “سامحيني يا مايا.. أنا كنت فاكر إن بآمن مستقبلكم، مكنتش أعرف إني بسيبكم لدئاب”.

دموعها نزلت وقالتلي بصوت مخنوق: “أنا مكنتش عايزة أقلقك يا إيثان.. مامتك كانت بتهددني كل ما أقولها هكلمك، كانت بتقولي لو اشتكتيله هيطلقك ويحرمك من ابنك، ومكنش معايا تمن مكالمة ولا قادرة أوصلك.. أخدوا مني الموبايل والفلوس، وشغلوني في البيت زي الخدامة، وفي الآخر رمتنا في ملحق المطبخ القديم ورا القصر.. مكنتش بتدينا غير بواقي الأكل اللي بيفضل منهم ومن عزوماتهم”.

​كلامها كان بينزل على قلبي زي النار.. ابني الصغير نام في حضني وهو ماسك في قميصي جامد كأنه خايف أختفي تاني.. فضلت صاحي طول الليل مش جايل لي نوم، برتب كل حاجة في دماغي.. الغلطة اللي عملتها بحسن نية لازم تتصلح، والناس دي لازم تدفع تمن أنانيتها وقسوتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *