ابني جاب معاه ست كبيره حكايات صافي هاني

”فادية” أخدت الكوباية، لقطت عيني لآخر مرة وهي بتاخد بق ميه، وبصت في ساعتها.. وبدأت الخمس دقايق العد التنازلي.
“أحمد” بصلي وبصلها، وحس إن الجو اتكهرب في ثانية. ابتسامته بدأت تختفي ووشه اتملى حيرة وهو بيقلب عينه بيننا: “هو في إيه؟ بابا.. أنت تعرف فادية من قبل كده؟”
لساني اتعقد، وبقيت حاسس إن الحيطان بتلف بيا. “فادية” واقفة هادية تماماً، برودها كان مرعب، رفعت إيدها وبصت في الساعة تاني وكأنها بتقولي: “العداد بيعد”.
أنا طول عمري قدام ابني الأب المثالي، الراجل المتدين الطيب اللي بيمشي جنب الحيط، اللي عمل كل حاجة عشان يربيه بالحلال بعد ما أمه توفت وهو عيل صغير. كان شايفني قدوته. لو عرف إني زمان سرقت شقى عمر الست دي وأهلها، وإني كنت السبب في سجن أبوها وضياع عيلتها عشان أخد الفلوس دي وأهرب وأعمل بيها نفسي.. هيحتقرني. مش هيسامحني أبدأ.
”أحمد.. يا حبيبي،” صوتي طلع مرعش ومكتوم، “ادخل جوه ثواني.. عايز أتكلم مع فادية في حاجة تخص الشغل القديم.”
أحمد حواجبة اتعقدت وبدأ يشك أكتر: “شغل إيه يا بابا؟ وفادية أصلاً شغالة في إيه عشان يكون ليكم شغل سوا؟ أنتوا مخبيين إيه؟”
”فادية” خدت نفس عميق، ونزلت كوباية الميه من إيدها، وبصت لأحمد بنظرة فيها شفقة حقيقية، وقالت بصوت هادي بس يقطع زي السك..ينة: “مفيش داعي يدخل جوه يا حاج.. الخمس دقايق خلصوا.”
الدنيا اسودت في عيني، وبقيت حاسس إن الأرض بتهتز تحت رجلي. “أحمد” بص لـ “فادية” وبصلي، ونبرة صوته اتغيرت تماماً، بقت مليانة خوف وقلق: “دقايق إيه اللي خلصت؟ وحقيقة إيه؟ في إيه يا بابا؟ اتكلم!”.
”فادية” قربت خطوة من “أحمد”، حطت إيدها على كتفه بحنان غريب، وقالتله: “أحمد.. أنت سألتني قبل كده أنا ليه وافقت أجي معاك الحفلة وليه مهتمة بيك.. أنا مكنتش بروح معاك الورشة عشان أصلح الموتوسيكل بس، ومكنتش بسمعلك طول الشهور اللي فاتت دي كنوع من الجدعنة.”
”أحمد” جسمه اتنفض وشال إيدها من على كتفه وبصلي وهو بيزعق: “أنتم هتموتوني.. في إيه؟! أنتوا تعرفوا بعض منين؟”
نزلت راسي في الأرض، الدموع نزلت من عيني غصب عني، ومبقاش في مفر. الخوف من ربنا ومن فضيحة الدنيا خنقوني. اتنفست بالعافية وقولت وصوتي بيرتعش: “أنا هقولك يا أحمد.. أنا هقولك كل حاجة.. فادية تبقى.. تبقى أختك الكبيرة من أم تانية.. والفلوس اللي عشنا منها وعملتلك بيها حياتك دي.. كانت حقها وحق أمها اللي أنا أكلته وهربت من عشرين سنة”.
”أحمد” رجع خطوتين لورا وكأنه اتضرب بالقلم، وبصلي بذهول وهو مش مصدق إن أبوه، الراجل اللي بيصلي وعارف ربنا، يطلع منه كل ده. وزعق بأعلى صوته: “أنت بتقول إيه؟!”
“أحمد” ملامح وشه اتخطفت، والبدلة اللي كان لابسها وفرحان بيها بقت كأنها كفن خنق أنفاسه. بصلي وعينه كلها دموع وجع وصدمة، صوته طلع مخنوق وهو بيشاور عليا: “أنت؟.. أنت تعمل كده؟ أنت اللي معلمني الحلال والحرام؟ أنت اللي كنت بتقولي أوعى تظلم حد عشان دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب؟ طلعت بتاكل حق يتامى وستات؟!”




