باعها وسابها تواجه مصيرها حكايات صافي هاني

لف ضهره وخرج من القصر وهو ناوي على حاجة واحدة بس: إنه يقلب الدنيا لحد ما يلاقي مارا، حتى لو هيركع تحت رجليها عشان تسامحه.
طلع يجري من القصر وعقله شغال زي المكنة، ندم السنين كلها اتجمع في صدره وبقى خانقه. ركب عربيتة وجاب آخر السرعة وهو بيكلم “ليو” مساعده في التليفون:
“ليو، اسمعني كويس.. كل شركات الحراسة، كل المعارف، كل داتا السجلات.. تقلبلي الدنيا وتجيبلي عنوان مارا بينيت الحالي في ظرف ساعة، فاهم؟ ساعة واحدة!”
ساعتها ليو رد بصوت متوتر: “يا فندم، أنا.. أنا دورت فعلاً أول ما سبتني في المول.”
جوليان فرمل بالعربية فجأة وسط الطريق وعينيه وسعت: “لقيتها؟”
”لقيت عنوان بيتها وشغلها.. هي فاتحة مكتبة صغيرة للأطفال على أطراف المدينة، وعايشة في شقة بسيطة فوق المكتبة.. بس يا فندم، فيه حاجة تانية لازم تعرفها.”
”انطق يا ليو متبقاش بارد!”
”والدتك.. الست فيكتوريا هانم.. مكنتش بس بتراقبها.. السجلات بتقول إن المكتبة دي عليها مديونيات كبيرة للبنك، والبنك اللي حاجز عليها وطالب بطردها الأسبوع الجاي.. هو بنك ‘فيل كابيتال’.. بتاع والدتك!”
جوليان حس إن دم بيفور. أمه مسبتهاش في حالها، مكنتش عايزة تسيب لها حتى الأمان البسيط اللي بنته لولادها.
ساق بأقصى سرعة ناحية العنوان اللي ليو بعتهوله. وصل بعد نص ساعة.. حتة منطقة هادية وبسيطة، والمكتبة واجهتها خشبية مكتوب عليها بخط إيد رقيق: “عالم الغد”.
نزل من العربية، وبخطوات مرعوبة زق الباب الخشب، دخل فسمع صوت جرس صغير رن.
المكان كان دافي، ريحته ورق وقهوة، وفي الركن كان فيه سجادة صغيرة عليها ألعاب.. وولاده الاتنين قاعدين بيرسموا.
أول ما شافوه، الصغير الأهدى قام وقف وبص له بشك، والتاني بطل تنطيط.
في نفس اللحظة، مارا خرجت من الأوضة اللي ورا وهي شايلة كرتونة كتب.. أول ما شافته، الكرتونة وقعت من إيدها والكتب اتبعثرت على الأرض.
”أنت بتعمل إيه هنا؟” صوتها كان حاد وواطي، مش عايزة ترعب الولاد.
جوليان مشي ناحيتها بخطوات مكسورة، نزل على ركبه وبدأ يلم الكتب من على الأرض وهو إيده بترتعش، وبص في عينيها وقال وصوته مخنوق بالدموع:
“عرفت كل حاجة.. مارا، أنا أسف.. أنا حمار، ونذل، وأمي.. أمي هي اللي عملت كل ده.. أنا مكنتش أعرف إنك مخدتيش الفلوس، مكنتش أعرف إنك…”
مارا قطعت كلامه بضحكة كلها وجع وسخرية، وقفت فوق راسه وبصتله من فوق لتحت:
“وجاي تبرر بعد خمس سنين؟ عشان تريح ضميرك؟ أنت فرقت معاك إيه يا جوليان؟ فرقت معاك لما كنت بنام دمعتي على خدي ومش لاقية حق إيجار الشقة؟ فرقت معاك وأنا بولد ولادك لوحدي في مستشفى حكومي وبموت من الخوف؟”
دموعها نزلت لأول مرة، بس صوتها فضل قوي:
“أنت صدقت أمك لأنك كنت عايز تصدقها! كنت عايز مخرج يهربك من المسؤولية عشان متخسرش ورثك وصفقاتك.. ودلوقتي جاي تقولي أسف؟”

