باعها وسابها تواجه مصيرها حكايات صافي هاني

​العمال خافوا وسابوا الحاجة وركبوا العربيات وجريوا.

المكان فضي، ومفيش غير صوت المطر. مارا كانت واقفة مكانها، مبلولة، والدموع مختلطة بمية المطر على وشها. بصتله بقهر وقالت بصوت مجروح:

“أنت فاكر نفسك إله؟ بتتحكم في حياتنا بمزاجك؟ يوم ترمينا في الشارع ويوم تيجي تعمل فيها البطل المنقذ؟ أنا مش عايزة مساعدتك يا جوليان! مش عايزة منك مليم! سيبنا في حالنا بقا!”

​جوليان مقربش منها عشان ميخوفهاش، فضل واقف في المطر، هدومه غرقانة، ونزل على ركبه قدامها على الرصيف.. رئيس مجلس إدارة كبرى شركات الاستثمار، راكع في الطين تحت المطر قدام الست اللي دمرها.

​”أنا مش بطل.. أنا أقل وأحقر من إني أكون بطل” جوليان قالها وصوته بيترعش من العياط والبرد.. “مارا، أنا مش جاي أشتري سكوتك ولا جاي أفرض نفسي عليكي. أنا جيت أنهي اللعنة اللي أمي بدأتها. المكتبة دي بتاعتك، ومحدش هيقدر يلمسها تاني. أنا مش هطلب منك تسامحيني، لأن لو مكانك مش هسامح نفسي.. أنا بس عايزك تديني فرصة.. فرصة واحدة أكون موجود من بعيد، أشوفهم وهم بيكبروا، أصرف عليهم من تعبي مش من فلوس عيلتي.. أصلح جزء من الكسر اللي عملته.”

​الولاد الصغيرين كانوا واقفين ورا إزاز المكتبة، باصين للراجل اللي راكع في المطر برعب وفضول.

​مارا بصتله ونفَسها بيعلو ويهبط، الوجع اللي كتماه خمس سنين كان بينفجر جواها. لقت نفسها بتمسح دموعها وبتتكلم بنبرة جامدة مفيهاش أي عاطفة:

“الفلوس مش بتصلح النفوس يا جوليان. أنت دفعت مديونية المكتبة؟ تمام.. هعتبر ده دين عليا وهسددهولك قرش قرش. أما بخصوص الولاد..”

​سكتت لحظة، وبصت للولاد ورا الإزاز، وبعدين رجعت بصت لجوليان:

“هم لسه ميعرفوش أنت مين.. ومش هقولهم إنك أبوهم إلا لما أشوفك بعيني اتغيرت فعلاً.. لما أشوف الراجل الأنانى اللي شوفتو من خمس سنين مات، واتولد مكانه حد يستاهل يشيلوا اسمه. غير كده.. ملكش عندي غير الرفض.”

​مارا لفت ضهرها ودخلت المكتبة وقفت الباب وراها.

جوليان وقف ببطء، المطر لسه بينزل على وشه، بس لأول مرة من خمس سنين يحس بنبضة أمل في قلبه. مارا مقفلتش الباب بالضبة والمفتاح؛ سابتله موَرب.. سابتله فرصة يثبت فيها إنه راجل بجد.

​بص على الإزاز، لقى ابنه الصغير (صاحب العيون الرمادي) باصص له ورافع إيده الصغيرة بيعمله “باي باي” ببراءة.

جوليان ابتسم وسط دموعه، وركب عربيته وهو عارف إن من اللحظة دي، حياته القديمة انتهت، ورحلة رجوع عيلته بدأت حالا.

من اليوم ده، جوليان اتحول لراجل تاني خالص. ساب البدلات الفخمة والمكتب المكيف، وبقى يصحى كل يوم مع أذان الفجر، يلبس هدوم بسيطة، ويروح يقعد في عربية قديمة شاريها باسم مستعار، راكنها على أول الشارع اللي فيه المكتبة.

​مبقاش يبعت شركات حراسة ولا مراقبة؛ بقى هو اللي بيراقب بنفسه. يشوفهم وهم صاحيين الصبح، مارا وهي بتسرحلهم شعرهم وبتديهم السندوتشات قبل ما يروحوا الحضانة، والولاد وهم بيجروا ويتنطقوا في الشارع. كان بيموت عايز يجري عليهم ياخدهم في حضنه، بس كان لسه فاكر كلمة مارا: “لما أشوف الراجل الأناني مات”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *