انتقمت منه حكايات صافي هاني

​صوت ضحكة خفيفة، باردة ومنظمة، جت له عبر السماعة.. ضحكة خلت شعر جسمه يقف.

​”تؤ.. متغلطش تاني نفس الغلطة وتستهون بذكائي يا نادر،” إيمان ردت عليه بنبرة هادية ومستقرة، وكأنها بتقرأ تقرير مالي في اجتماع مجلس إدارة. “أنا مبهددكش.. أنا بنفّذ. الفلاشة اللي في إيدك دي منها نسخة تانية استلمها المحامي بتاعي الصبح، ونسخة تالتة هتوصل لـ (رأفت الألفي) شريكك الكبير في الشركة الساعة اتناشر الظهر بالظبط.. ورأفت بيه، زي ما أنت عارف، راجل محتشم وبيموت في السمعة، وميقبلش إن اسم شركته يرتبط بفضيحة أخلاقية وتلاعب بالحسابات.. آه، نسيت أقولك، أنا مراجعة وراك مصاريف السفرية الأخيرة وفواتير الفندق اللي مدفوعة من فيزا الشغل.. ودي في القانون اسمها تبديد أموال شركة، مش مجرد نزوة.”

​نادر حس بضيق في التنفس، والبدلة الشيك اللي كان لسه بيظبطها حس إنها بقت حبل مشنقة حوالين رقبته. قعد على كرسيه الجلدي وهو مش قادر يقف على رجليه:

“إنتِ بتدمريني يا إيمان؟ بعد كل اللي عملته عشانك وعشان البيت؟”

​”أنت اللي دمرت نفسك لما افتكرت إن الطيبة غباء، وإن الست لما بتشيل بيتها وبتسكت على قلة التقدير بتبقى عاجزة،” صوت إيمان اتغير وبقى فيه نبرة قوة وحسم تزلزل، “أنا عديتلك كتير، وكنت بقول يمكن يتعدل، يمكن لما يشوف ابننا يتغير.. لكن تروح تخطب وتعيش حياتك وتصرف فلوس بيتك وابنك اللي لسه مجاش على واحدة تانية، وفاكرني مغفلة وقاعدة مستنية الإحسان منك؟ لأ يا نادر.. أنت من اللحظة دي بره حياتي.”

​في شقة مصر الجديدة، إيمان قفلت السكة من غير ما تستنى تسمع رده أو شتايمه اللي كانت عارفة إنها هتطلع أول ما يحس بالهزيمة.

​بصت للموبايل، وحطته على الترابيزة. حست بوزن جبل انزاح من فوق صدرها. المطرة بره كانت بدأت تصفى، والشمس بتطلع من ورا السحاب وتفرش نورها على أرضية المطبخ.

​حطت إيدها الاتنين على بطنها، وابتسمت لأول مرة من شهور.. ابتسامة حقيقية، طالعة من قلبها. حست بحركة البيبي وكأنه بيطمنها ويقولها إنه سامعها.

​”خلاص يا حبيبي.. الأمان رجع، والصفقة الخسرانة دي اتقفلت للأبد.”

​وفي نفس اللحظة، في مكتب الـ ٢٤ بوسط البلد، نادر كان قاعد مكانه، باصص للورق الأبيض المفرود قدامه وكأنه بيشوف نهاية إمبراطوريته اللي بناها بالغش والغرور. تليفونه رن تاني.. كان رقم “منة” خطيبته. مكنش قادر يرد، ولا قادر يفكر.. لأول مرة في حياته، “صانع الصفقات” لقى نفسه خسران كل حاجة، وبإمضاء من الست اللي افتكر إنها مش هتجرؤ يوم وتفارق خطوته.

 

نادر ساب التليفون يرن ويرن لحد ما سكت لوحده، ومبقاش سامع غير صوت دقات قلبه اللي بقت سريعة وبتخبط في صدره زي المطرقة. مد إيده المرتعشة ومسح عرق بارد بدأ ينزل على جبينه. بص للساعة اللي في إيده.. كانت ١٠:١٥ الصبح.. يعني فاضل أقل من ساعتين والنسخة التانية من الفلاشة والورق توجد على مكتب “رأفت الألفي”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *