يوم صباحيتي حكايات صافي هاني

​قعد على طرف الكرسي وكأنه خايف، وحط الكيس البلاستيك على المكتب وقال: “دي حاجة كنتِ ناسياها في شقتنا القديمة.. كتاب ذكرياتك وصور عيلتك، مكنش ينفع أرميهم أو أسيبهم. وجيت بالمرة عشان.. عشان أطلب منك السماح.”

​بصيت للكتاب والوجع القديم مر في بالي زي الشريط، بس خلاص مابقاش يوجع. قلت له: “المسامح هو ربنا يا رامي، وأنا مابقتش شايلة من ناحيتك حاجة.. كل واحد أخد نصيبه وعدل ربنا اتنفذ.”

​دموعه نزلت وقال بصوت مرعش: “إحنا اتبهدلنا أوي يا إيمان.. أبويا جاله جلطة بعد ما خسرنا كل حاجة ومبقاش قادر يتحرك، وأمي وفريدة قاعدين في شقة إيجار في منطقة شعبية، ومبقوش طالعين من البيت من كتر كسفة العين قدام الناس. وأنا.. أنا اشتغلت محاسب في شركة صغيرة بمرتب ميكفيش أسبوع. القلم اللي ضربتهولك الصبحية دي، طلع غالي أوي.. دفعنا تمنه من عمرنا وصحتنا وفلوسنا.”

​بصيت له وقلت بقلب جامد بس فيه حكمة: “الدنيا دي سلف ودين يا رامي، والظلم ظلمات يوم القيامة. ربنا قال في كتابه الكريم: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}. أنتوا افتريتوا على بنت غلبانة وافتكرتوا إن مالهاش ضهر يحميها، ونسيتوا إن ربنا هو الضهر والسند لكل مظلوم. القلم ده مكانش مجرد ضربة، ده كان إهانة لكرامة وإنسانية ربنا كرمها.”

​مسح دموعه ووقف وقال: “أنا عارف إني مستاهلش، بس كان لازم أسمع منك كلمة مسامحة عشان أقدر أعيش.. شكرًا يا إيمان إنك وافقتي تقابليني.”

​ولف ضهره عشان يمشي، بس قبل ما يوصل للباب، نديت عليه: “رامي.”

​التفت لي وعينه فيها أمل ضعيف، قلت له: “المصاريف العلاجية بتاعة والدك منصور بيه.. أنا هتكفل بيها بالكامل من هنا ورايح، كنوع من الإنسانية، لإن الإسلام علمنا ندفع بالتي هي أحسن، وأنا مش هسيب راجل مسن يتبهدل في مرضه.”

​رامي بكى بحرقة وهز رأسه ومقدرش ينطق بكلمة، وخرج وقفل الباب وراه.

​أخدت نفس عميق، وبصيت من شباك مكتبي على الشمس وهي طالعة ومالية الدنيا نور. حسيت براحة نفسية عجيبة، وعرفت إن القوة الحقيقية مش في الانتقام وبس، القوة في إنك تاخد حقك تالت ومتلت، وتفضل برضه محافظ على إنسانيتك وأصلك ونظافة قلبك. قفلت كتاب الذكريات، وابتسمت، وبدأت صفحة جديدة تمامًا من حياتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *