فواتير قديمه حكايات صافي هاني

دخلت الأوضة، خدت ليلى في حضنها، وقعدت تقرأ لها آيات من القرآن عشان تهديها وتطمنها.. وهي عارفة إن من بكرة، هتبدأ رحلة جديدة، لوحدها اه، بس نضيفة ومن غير حرام.
عدى شهر كامل على الليلة السودا دي.
الحياة مبتقفش، بس ساعات بتبطأ وتجبرك تشوف كل حاجة على حقيقتها. أمل لقت نفسها في مواجهة دنيا جديدة تماماً.. شالت شيلة مفيش جبل يستحملها، بس ربك لما بيبتلي بيعين.
في المحكمة، الموضوع مخدش وقت طويل. القض..ية كانت واضحة وضوح الشمس، ومحمود اعترف بكل حاجة وهو عينه في الأرض، مكسور ومفضوح قدام الدنيا كلها. القاضي نزلت عليه الأحكام زي الصاعقة بتهمة النصب والاحتيال وتبديد أموال التبرعات، وأمل وقفت بكل شجاعة وطلبت الطلاق للضرر.. ومفيش كام أسبوع والقاضي حكم لها بيه. قفلت صفحته من حياتها، ورمت مفتاحها في البحر.
أما المستشفى، فكانت المفاجأة الكبيرة.
النيابة لما حجزت على الفلوس اللي فضلت في حسابات محمود وحسابات منصة المراهنات اللي اتقفلت، حوّلت المبالغ دي فوراً لحساب علاج ليلى. مش بس كده، القصة لما اتعرفت في وسائل الإعلام والجرائد، قلوب الشعب المصري اتعاطفت مع البنت وأمها أكتر من الأول. ناس كتير جداً، من أول ولاد الحلال الغلابة لحد رجال أعمال كبار، صمموا يتكفلوا بأي مصاريف تانية تحتاجها ليلى لحد ما تخف تماماً، بس المرة دي التبرعات كانت بتروح لـ “صندوق تحيا مصر” أو لحساب المستشفى الرسمي مباشرة برقم حالة ليلى، عشان مفيش يد غريبة تتمد عليها تاني.
في صباح يوم جمعة، الشمس كانت داخلة من شباك أوضة المستشفى، مغطية السرير اللي قاعدة عليه ليلى.
البنت كان شكلها متغيّر.. الضحكة رجعت تنور وشها من تاني، والتحاليل الأخيرة أظهرت إن جسمها بدأ يستجيب للعلاج الكيماوي بشكل ممتاز، ونسبة الخلايا السرطانية بتقل بشكل يخوف المرض نفسه.
أمل كانت قاعدة جنبها، ماسكة مصحفها وبتقرأ سورة يس بصوت واطي وجميل، والهدوء والسك..ينة مالين المكان. ليلى بصت لأمها وقالت بصوت طفولي فيه أمل: “ماما.. أنا حاسة إن خفيّت.. ومبقتش تعبانة زي الأول.”
أمل صدقت المصحف، ودموع الفرحة لمعت في عينيها. خدت بنتها في حضنها جامد، وطبعت بوسة طويلة على راسها وقالت: “الحمد لله يا قلب ماما.. ربنا كبير ومبيسبش حد مظلوم، ودعاء الناس الغلابة والطيبيين اللي بيحبوكي هو اللي وقف معاكي.”
الباب خبط، ودخل الدكتور المعالج وهو مبتسم وفي إيده التقرير النهائي: “صباح الخير يا مدام أمل.. جاهزين عشان نكتب لكم على خروج؟ ليلى هتكمل علاجها بالتابعة من البيت خلاص، والمرحلة الصعبة عدت وأقدر أقولك إنها انتصرت على المرض.”
أمل سجدت في مكانها على أرض الأوضة، سجدة شكر طويلة لربنا اللي نجّاها ونجّى بنتها من قلب المحنة.
خرجوا من المستشفى والجو كان جميل، أمل كانت شايلة ليلى ومتبتة فيها كأنها بتملك الدنيا كلها. ليلى بصت للسما وقالت: “ماما، إحنا رايحين فين؟”



