فواتير قديمه حكايات صافي هاني

​”افتح يا محمود بدل ما نكسر الباب! معانا إذن من النيابة!”

​أمل رجعت خطوتين لورا، حاطة إيدها على بوقها ومش مصدقة اللي بيحصل. دموعها نزلت من الصدمة، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف.. كانت دموع قهر على بنتها اللي بتموت وعلى الراجل اللي عاشت معاه وطلع ملوش أمان.

​بصتله وقالت بصوت واطي ومقهرور: “عملت إيه؟ وديت فلوس بنتك فين يا محمود؟ انطق!”

​محمود مبصلهاش أصلاً، كان بيدور على أي طريق يهرب منه. لقط تليفونه من على التربيزة وحطه في جيبه بسرعة، وجري ناحية بلكونة المطبخ عشان يشوف لو ينفع يهرب من منور العمارتين أو ينط لسطوح الجيران.

​في نفس اللحظة، صوت خبطة عنيفة هزت البيت كله.. الباب اتكسر.

​دخل ضابط المباحث ومعاه ومخبرين، وراهم اتنين رجالة من المنطقة كانوا واقفين شهود. الضابط دخل وعينه لقطت محمود وهو واقف على سور البلكونة بيحاول يهرب.

​”ثبته عندك! متتحركش!” الضابط زعق والمخبرين جريوا عليه، وفي ثواني كانوا سحبوه من قفاه ونزلوه على الأرض. الكلابشات اتفتحت واتقفلت في إيده بسرعة خلت محمود يصرخ: “يا فندم والله مظلوم! فيه إيه؟ أنا معملتش حاجة!”

​الضابط بص للمطبخ المكركب، والورق اللي مغرق الأرض، وأمل اللي واقفة بتترعش في الزاوية.

​الضابط وجه كلامه لمحمود ببرود وحدّة: “معملتش حاجة؟ البلاغ اللي مقدماه مباحث الإنترنت وجهاز حماية المستهلك بيقول إنك لمت تبرعات أكتر من 2 مليون جنيه على حسابات وهمية باسم علاج بنتك، وفي الآخر الفلوس دي مكنتش بتروح للمستشفى.. الفلوس دي اتحولت لحساب شركة مراهنات وقمار إلكتروني برة مصر، وشطبت بيهم حسابك القديم.”

​أمل لما سمعت كلمة “مراهنات وقمار” حست إن ركبها سابت ومبقتش قادرة تقف. ساندت على الحيطة ووقعت على الأرض وهي بتصرخ: “قمار؟! فلوس كيماوي بنتك بتلعب بيها قمار يا محمود؟ يا فاجر! يا ملوش دين ولا مِلّة! دي فلوس ناس غلابة دفعوها عشان البنت تعيش!”

​محمود كان وشه في الأرض ومش قادر ينطق، كل حيله خلصت، والشركة اللي افتكر إنها هتخليه مليونير وتنسيه الفقر، طلعت هي القبر اللي دفن فيه نفسه وعيلته.

​الضابط بص لأمل بنظرة فيها شفقة واحترام: “يا مدام، إحنا بقالنا أسبوع بنراقب الحسابات بعد ما المستشفى بلغت إن مصاريف البنت مابتتدفعش والناس بتبعت إيصالات تبرع. اتفضلي معانا على القسم عشان تتسألي في المحضر، ومتخافيش.. النيابة هتحجز على الأموال المستردة وهتتحول فوراً للمستشفى عشان علاج بنتك ميكملش يوم واحد واقف.”

​المخبرين سحبوا محمود وهو بيتحايل ويبكي ويقول: “سامحيني يا أمل.. الشيطان ضحك عليا.. كنت عايز أكسب أكتر عشان أأمن مستقبلكم!” بس خلاص، الكلام مابقاش ليه قيمة، والندم مش هيصلح اللي انكسر.

​البيت هدي فجأة بعد ما مشيوا، ومبقاش فيه غير صوت عياط ليلى الصغيرة اللي في الأوضة التانية.

​أمل قامت من على الأرض، مسحت دموعها، وبصت للورق المرمي. حست بغصة في قلبها، بس في نفس الوقت حست برضا غريب.. ربنا مبيرضاش بالظلم، وحق بنتها رجع قبل ما الفلوس الحرام تأكل جسمها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *