بياعة الورد حكايات صافي هاني

​هناك كان فيه شقة قديمة ومقفولة بقالها سنين، شقة كانت مأجراها باسم مستعار زمان عشان تقعد فيها لما تحب تهرب من دوشة الشغل والتصميمات. مكان محدش يتوقعه أبداً.

​طول الطريق، فريدة كانت بتبص وراها من الإزاز، ومطمنة إن مفيش عربية سودة ماشية وراهم. رحمة من كتر الصدمة والعياط نامت تاني وهي ساندة راسها على كتف فريدة.

​وصلوا العمارة القديمة، طلعت فريدة وفتحت الشقة، ودخلت رحمة نيمتها على السرير وغطتها، وقعدت جنبها تتأمل وشها البريء. “يا ترى ندى كانت عايزة تقولي إيه قبل ما تموت؟ رحمة تبقى إيه؟.. هل ممكن تكون أختي؟! ولا بنت عمي؟!”.. الأسئلة كانت بتاكل في عقلها.

​فريدة قامت وقفت قدام مراية الصالون القديمة، وبصت للخاتم اللي في إيدها.. الخاتم اللي مكتوب فيه “روزود”.. اسم القصر اللي اتمحت فيه عيلتها كلها في ليلة ضلمة من ١٧ سنة.

​طلعت تليفونها، وطلبت رقم “عاصم”.. المحامي بتاعها وصديق عمرها الوحيد اللي بتثق فيه.

الخط فتح وصوت عاصم جه نعسان: “ألو.. فريدة؟ خير يا بنتي بتكلميني الساعة ٣ بالليل ليه؟ فيه حاجة في الشغل؟”

​فريدة أخدت نفس عميق وقالت بنبرة حادة وصارمة خلت عاصم يصحصح في ثانية:

“عاصم.. اصحى وركز معايا جداً. الق*ضية القديمة.. ق*ضية حريقة قصر عيلة ‘المنشاوي’ من ١٧ سنة.. تفتحها لي تاني الصبح وتجيب لي كل المحاضر وأسماء الورثة اللي عايشين والشركات اللي اتقفلت.. الحكاية مفيش فيها قضاء وقدر يا عاصم.. الحكاية فيها دم.. والدم ده بدأ يصحى النهاردة!”

 

عاصم سكت لثواني من الصدمة، وصوته رجع مذهول:

“أنتي بتقولي إيه يا فريدة؟! قصر المنشاوي إيه اللي يتفتح تاني؟ ده الملف ده اتقفل بالضبة والمفتاح من سنين واتقيدت ضد مجهول، والكل اعتبرك ميتة معاهم لحد ما ظهرتي لوحدك بعد كده! أنتي إيه اللي فكرك بالكابوس ده دلوقتي؟”

​فريدة لفت وعينيها على الباب المقفول بتاع الأوضة اللي نايمة فيها رحمة، وقالت بصوت حاسم:

“لما أشوفك الصبح هفهمك كل حاجة.. بس اعمل حسابك، من النهاردة مفيش خوف، وأنا مش هفضل مستخبية ورا اسم ‘فريدة’ وبس.. أنا هجيب حق ندى، وحق البنت الغلبانة اللي نايمة جوة، وحق أبويا وأمي اللي ماتوا محروقين.. اجهز يا عاصم عشان اللي جاي مش هيسمي على حد.”

​قفلت السكة مع عاصم من غير ما تديله فرصة للنقاش.

​حطت التليفون على التربيزة، ودخلت الأوضة براحة قعدت على طرف السرير جنب رحمة. البنت كانت بتتحرك بقلق وهي نايمة، وبتهلوس بكلمات مش مفهومة: “لأ.. سيبني.. أمي.. الورد..”

​فريدة مدت إيدها ومسحت على شعرها بحنان، وطمنتها بصوت واطي لحد ما البنت هديت خالص ورجعت في النوم. فريدة فضلت صاحية طول الليل، عينيها مش بتغفل، وعقلها بيرتب الخطوات الجاية.. لازم تدفن ندى الأول كأنه موت طبيعي عشان الراجل اللي برة ما يشكش في حاجة، وبعدين تبدأ رحلة البحث عن “عش الدبابير”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *