بياعة الورد حكايات صافي هاني

​رحمة كانت حافظة الطريق، مشيت بسرعة والست وراها، لحد ما وصلوا للدور الثالث، قدام أوضة العناية المركزة.

​الدكتور كان لسه خارج من الأوضة، ووشه باين عليه التعب والإحباط. رحمة جريت عليه ودموعها نزلت تاني:

“يا دكتور.. أمي عاملة إيه؟ بقت أحسن صح؟”

​الدكتور بص للبنت بشفقة، ونزل لمستواها وقال بصوت واطي:

“شدي حيلك يا رحمة يا بنتي.. أمك حالتها حرجة جداً، والوظائف الحيوية بتقل.. ادعيلها يا حبيبتي.”

​الست قربت من الدكتور، وطلعت الكارنيه بتاعها وبان عليها هيبة أولاد الذوات، وقالت له بصوت جاد ومحترم:

“يا دكتور، أنا متكفلة بكل مصاريف علاجها في أي مكان، لو ينفع تتنقل مستشفى خاص فوراً أو نجيب لها أكبر دكاترة مصر، أنا جاهزة.”

​الدكتور هز راسه بأسف:

“الموضوع مش موضوع فلوس يا فندم، الحالة متأخرة جداً ونقلها خطر على حياتها.. هي اصلاً فاقت من الغيبوبة بالعافية بقالها كام دقيقة، وعمالة تنده على اسمها.. وتقول عايزة أشوف بنتي.”

​الست حست برعشة في جسمها:

“طب ممكن أدخل معاها؟ أرجوك يا دكتور، الموضوع حياة أو موت بالنسبة لنا.”

​الدكتور بص لرحمة وبص للست ولما لقى الإصرار في عينيها وافق:

“ماشي.. بس دقيقتين بالظبط، ومفيش أي انفعال.”

​لبسوا اللبس المعقم ودخلوا الأوضة. الأجهزة كانت بتصّفر بصوت رتيب، وعلى السرير كانت رقدة ست في أواخر الثلاثينات، وشها شاحب جداً وخسيس، بس ملامحها كانت فيها طيبة مكسورة.

​أول ما رحمة قربت ومسكت إيدها، الست المريضة فتحت عينيها ببطء شديد، وابتسمت بضعف:

“رحمة.. يا حبيبتي.. جيتي؟”

​”جيت يا أمي، ومعايا طنط دي.. دي حمتني من الراجل اللي كان بيطاردني برة.”

​الأم حركت عينيها بتعب وبصت للست الواقفة.. وفي اللحظة دي، عينيهم اتلاقت. الست المريضة عينيها وسعت من الصدمة، والجهاز بدأ يصرخ ضرباته سريعة. عينيها نزلت على إيد الست.. وشافت الخاتم الذهبي بيلمع تحت كشاف العناية.

​الأم حاولت ترفع إيدها المرتعشة، وبصوت مخنوق وطالع بالعافية من وسط أجهزة التنفس، قالت كلمة واحدة هزت جدران الأوضة:

“فريدة؟! أنتي.. أنتي عايشة؟”

​الست “فريدة” اتسمرت في مكانها، الدموع اتجمعت في عينيها، وقربت من السرير وهي مش مصدقة ودقات قلبها بتسابق الزمن:

“أنتي تعرفيني؟ أنتي مين؟! والاسم اللي محفور جوة الخاتم ده.. ‘روزود’.. أنتي عرفتيه منين؟!”

​الأم دموعها نزلت على مخدرتها، وبدأت تتنفس بصعوبة كأن الروح بتنسحب منها، وضغطت على إيد فريدة بكل ما بقى ليها من عزم وقالت:

“أنا ‘ندى’.. الشغالة الصغيرة اللي هربتك زمان.. يوم الحريقة.. يوم ما عيلتك كلها اتصفت.. الخاتم ده.. الخاتم ده أنا أخدته من مامتك الله يرحمها وهي بتلفك في الغطا وتديهالي.. وقالت لي: اهربي بفريدة يا ندى.. احميها من عمامها.. الاسم ده.. ‘روزود’.. ده كان اسم القصر القديم بتاعكوا!”

​فريدة حست إن الأرض بتلف بيها.. الحقيقة المرة اللي دفتنها بقالها ١٧ سنة بتتكشف في ثانية.. هي مش مقطوعة من شجرة، وهي مش بنت ملجأ زي ما فهموها بعد الحادثة.. هي وراها ورث وعيلة وأعداء لسه صاحيين!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *