جوزي مسافر حكايات صافي هاني

​سارة ضحكت سخرية، ضحكة خفيفة وجافة كأنها بتنفض تراب سنين من المغفلة. “ما هو كان بيشكر فيا عشان يغطي على القرف اللي بيعمله.. مايكل طلع مأجر شقة لصاحبه المتوفي، وبقاله سنة عايش دور فاعل الخير، وفي الآخر طلع هو اللي هيجيب الوريث!”

​حكت له كل حاجة في خمس دقايق.. بالورقة والقلم، وبدون دموع. المحامي سكت شوية، وبدأ يدون ملاحظات بسرعة. “بصي يا سارة، في القضايا اللي من النوع ده، الغضب مش هو اللي بيكسب.. الذكاء والورق هما اللي بيكسبوا. إحنا مش هنرفع قضية بكره الصبح.. إحنا هنقعد أسبوع نجمع أدلة.”

​”أدلة إيه؟ أنا شفتهم بعيني!”

​المحامي سند ضهره لورا: “العين مبتأكلش عيش في المحاكم.. إحنا عايزين كشوفات الحسابات البنكية اللي كان بيحول منها، عايزين نثبت إن الفلوس اللي اتصرفت على الشقة دي وعلى كلو كانت من فلوسكم المشتركة، وعايزين نثبت التزوير في فواتير السفر وميلووكي اللي كان بيتحجج بيها.. أنا عايز أطلعكم من الجوازة دي وهو مديون ليكي بكل مليم خده من وراكي.”

​في الوقت ده، تليفون سارة بدأ ينور برسايل من أرقام غريبة.. مايكل كان بيحاول يوصل لها من تليفون البواب، ومن تليفون صحابه.

“سارة ارجعي البيت، أنتي فاهمة غلط.. حماتي كانت بتقول كده عشان تهدي الموقف مش أكتر!”

“سارة متخربيش بيتك عشان ساعة شيطان، كلو كانت منهارة وأنا غلطت.. خلينا نتكلم.”

​سارة قرأت الرسائل وهي بره مكتب المحامي، وابتسامة باردة اترسمت على وشها. ملمتش حاجتها من شقة الزوجية، ولا راحت عيطت في بيت أهلها.. راحت حجزت في فندق هادي قريب من شغلها، وقررت إن الليلة دي هتبقى أول ليلة تنام فيها بالبل طويل من سنين.. بالبل خالي من الشك وخالي من كدب مايكل.

​وهي واقفة في بلكونة الأوضة بتبص على أنوار شيكاغو، مسكت تليفونها وبعتت رسالة واحدة لمايكل من رقم جديد:

“البيت الشقة بتاعتك اتهدت خلاص.. جهز نفسك عشان الحساب بدأ.”

مر الأسبوع الأول زي ما يكون حرب باردة. سارة مكانتش بترد على أي مكالمة، وكل تركيزها كان مع المحامي.. وبدأت الخيوط تتجمع.

​المحامي كلمها وجاب لها الصدمة الكبيرة: “سارة، كشوفات الحساب المشترك بتاعكم بتقول إن مايكل سحب مبالغ ضخمة على مدار السنة اللي فاتت، وكلها كانت بتتحول لحساب كلو تحت بند ‘مساعدات إنسانية’.. ده غير إنه كان كاتب الشقة الجديدة اللي قاعدين فيها باسمها، والفلوس مدفوعة من حساب شركتكم الصغيرة المشتركة!”

​سارة حست بنار قايدة في صدرها، بس النار دي حوّلتها لكتلة من الثلج. “يعني كان بيبني حياته الجديدة بفلوس شقايا وتعب السنين؟”

المحامي ابتسم بثقة: “وده بالظبط اللي هيخليه يلبس في الحيط.. التزوير والاختلاس من حسابات الشركة المشتركة دي قضية جنائية مش مجرد طلاق!”

​في اليوم الثامن، سارة راحت الشركة بتاعتها عادي، ببلوزة كحلي أنيقة وكعب عالي، ووشها مفيش فيه أي أثر للتعب. أول ما دخلت مكتبها، لقت مايكل قاعد مستنيها، وشه كان دبلان، وعينيه حواليها هالات سودا، والندم باين في كل تفصيلة فيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *